امير الذوق
08-25-2008, 04:39 AM
http://www.filmfund.org.il/files/filmImg/3212-2.jpg
- أمك ماتت.
تناهى إليها صوت شقيقتها كمن يلقي بحمل أضناه.
أضافت شقيقتها بصوت بدا لها خاليا من أيّ تعبير : - أمك ماتت .
مرّت دقائق ثقيلة كالرصاص. ظلت صامتة.
ربّما حسبت شقيقتها أنها تبكي في صمت كعادتها. فتابعت بصوت بدا لها أكثر برودة:
ـ ارتاحت… محدش شاف عذابها .
وضعت السماعة في هدوء .. كان زوجها يمشّط شعر الصغيرة ..
نظر إليها.
انهارت بجانبه علي الكرسي ..
الصغيرة نفلت من يد الزوج وتمسك بكفي أمها .. رفعت رأسها حين بدأت الصغيرة تبكي .. احتضنتها وغابت في الفراغ .. زوجها يشعر بالارتباك ولا يجد كلمات يواسيها بها .. لقد عادت منذ ساعات بعد أن ظلت بجانبها ثمانية أيام .. وقفت علي استحياء أمام أبيها وقالت له :
ـ هروح أجدد الأجازة وأرجع .
سؤال ظل يتردد في ذهنها .. أما كنت قادرة يا أم علي أن تفيقي لحظات حتي أر ي فيها عيونك لآخر مرة ؟
دست بعض الملابس لها ولزوجها في حقيبة صغيرة.
قررت ترك الصغيرة مع عمتها ، سارت وسط ذهول جيرانها الذين تعاطفوا معها وبدأوا يرددون تعليقات سمعتها في صمت :
ـ السكينة سارقاها
ـ والله أمها كانت ست أميرة
ـ يا عيني هيتبهدلوا في نص الليل ، مواصلات الصعيد صعبة
لم يستطع الزوج أن يساوم كثيراً السائق العجوز .. وافقه علي ما يريد رغم المبالغة الواضحة … واندسا في سيارته المتهالكة ، بدأ الزوج يردد بعض الآيات القرآنية والأدعية وهو يلف ذراعه حول جسدها ، ينظر إلى وجهها من وقت لآخر فيجدها مازالت مستيقظة ، يواصل قراءته وهي تنظر إلى العتمة الممتدة ، أضواء السيارة تبددها ، فتتمايل أشباح الأشجار والنخيل علي الجانبين ، لم تكن تفكر في شيء في تلك اللحظة إلا في ملامحها التي تفر منها ، كيف تتلاشي ملامحها بهذه السرعة ؟!
حاولت تذكر مواقف تجمعهما ، لا شيء في الذاكرة ، كل شيء باهت وبعيد ، تأتيها صور غير مترابطة في عتمة الليل … طوال عمرها كانت العلاقة بينهما غير تقليدية ، هي المرأة الضعيفة ، صورتها وهي تقف حائلاً بينها وبين أبيها وهو يهم بصفعها تحتل الإطار الآن … صوتها الضعيف يحاول إقناعه بعدم الضغط عليها كي تتزوج من ابن أخيه .. يخاف عليها من الجامعة .. وتلك الكتب التي لا تكاد تتركها لحظة …الأفكار ..المصيبة في تلك الأفكار..في البداية تحمس كثيراً حين كان يتابع تفوقها في الدراسة خلال السنوات الأولى .. لكن كلام أخوته عن مخاطر الغربة والسفر علي البنات تربكه .. وهي تصر علي أن يتقبل فكرة خروجهن وتعليمهن :
ـ ولادك متربيين وعاقلين
يد زوجها تربت علي كتفها .. تفر بعيداً حيث الجسد الذي تركته منذ ساعات .. حين اخترقت السيارة الطريق الترابي الذي طال علي غير العادة كانت خيوط الضوء الأولي تبدد العتمة .. الرجال يخرجون للحقول .. صورهم تبدو ضابية في غبش الفجر.. تتبين بعضهم وهم يتحدثون ويجرون وراءهم حيواناتهم .. أسماء البعض الآخر تضيع من ذاكرتها … ولد صغير يقف أمام منزله يدعك عيونه ويشيع السيارة في نظرة لا تدل علي شيء .. النساء اللاتي يذهبن إلى السوق أو للحقل يرمقنها في أسي ..
اقتربت. نزلت تاركة الحقيبة لزوجها .. يشد الزوج علي يد السائق ويشكره .. يبحلق السائق في النقود ، ثم يدسها في جيبه دون تعليق .. يدخل سيارته ويرمق المرأة التي تسير بخطوات متثاقلة .. يقول لها في صوت خافت :
ـ البقية في حياتك يا مدام
خطواتها تزداد ثقلاً .. تلتفت إلي الوراء ما زال الرجل يقود سيارته للوراء ..مساحة الشارع لا تسمح له بالالتفات المباشر .. يسبقها الزوج بخطوات ، ثم يدير رأسه إليها :
ـ مدي
النساء يخرجن من الدور .. يقفن في فضول ويتصعبن ..أيديهن تمتد لتعزيتها .. تمد يدها في ذهول ولا تنطق حرفاً وهن يمصمصن شفاههن :
ـ يا عيني يا بنتي ده حال الغريب
ـ تصدقي أمها دائماً كانت تقول خايفة بنتي متشفناش لما نموت
ـ أصلها كانت طيبة وفيها شيء لله
ابنة عمها تتوسط المندبة .. أختها الصغري ترفع ذراعيها بالشال الأسود وتنادي أمها :
ـ حبيبتك جت يا أمي قومي أجري عليها زي العادة .. نادت باسمك كتير
في ذهول تسأل :
ـ هيه فاقت بعد ما مشيت ؟
الجميع يفسح لها الطريق .. تخترق جموع النساء الباكيات ، وتدخل .. زوجها يذهب إلي الرجال في المندرة الجانبية .. تدخل حجرتها .. اللحاف الحريري الأحمر يغطي جسد أمها .. تزيل الغطاء عن وجهها .. تندهش من نظرة الراحة والسماح عليه .. كانت أمنيتها الدائمة أن تموت طاهرة ومصلية .. والآن تموت في غيبوبة استمرت ثمانية أيام .. لم تتحقق كل أمنياتك يا أمي .. أمنية واحدة فقط هي التي تحققت .. ظلت تردد لرجل يدعي القسوة ، ويخشي أن يظهر حنانه وعطفه … يا رب يجعل يومي قبل يومك … هاهو يومك يأتي يا أمي .. تري هل بكيت عليها يا أبي .. هل عوضتها يوماً عن قسوتك تجاهها .. حين كانت تغيب عند جدتها .. يظل يدخل ويخرج من حجرة لأخري كطفل تركته أمه الآن .. يداوم السؤال :
ـ هيه أمكم قالت هتغيب ؟
الفتيات الثلاث يجبن في نفس واحد :
ـ هتيجي ع المغرب
يعاود النظر في ساعته مرات ومرات .. والفتيات يدارين وجوههن ويبتسمن .. حين يوضع الطعام أمام يرفضه ويداري نظرة خجلي ويقول في صوت خافت
ـ لما أمكم تيجي هبقي آكل .
الآن ستأتي مغارب كثيرة ولن تعود إليك :
ـ المغسلة جاية ..
تدخل المرأة الكفيفة تتحسس الطريق بعصاها .. .تتعثر في عتبة الباب فتجري إليها .. . تمسك بيديها وتجلسها علي الكنبة بجانب السرير .. تطلب من أختها إعداد الماء الساخن .. و تساعدها المرأة علي وضع الجسد المرن في الطشت … تردد الأدعية في صوت خافت وتحفظها ما ستقول وقت الحساب .. تدير الرأس نحو القبلة وتقول :
ـ ما شاء الله .. جسمها ولا العجين الخمران .. من عملها .. أصلي أمك دي بنت خير .. عمرها ما ردت حد ..
كانت تنظر للمرأة التي تردد الأدعية وآيات القرآن ولا ترد .. تملأ الكوب بالماء الساخن وتكبه علي ظهرها ، ويد المرأة تدعك لها بالليفة المغموسة في الصابون .. بعد أن انتهت من غمر جسدها بالماء الساخن ضمت ساقيها إلي ركبتيها مرات عديدة وأمام دهشة البنت التي لم تعلنها :
ـ علشان ميبقاش في بطنها ريح ولا فضلات وتقابل ربها طاهرة .
لم تندهش من معرفة المرأة لنظرة الذهول علي وجهها وقالت في نفسها كل العميان لديهم قدرات غير عادية .. همت أن تقول لها لا يمكن أن يكون في بطنها أي ريح أو فضلات لأنها كانت في غيبوبة ، ولكنها صمتت في اللحظة الأخيرة … نظرت إلي جسد أمها الطري وصمتت .. بعد أن انتهت المرأة من عملها لفتها في الكفن الأبيض ووضعت القطن في أذنيها وفمها .. حملت الجسد من بين يدي المرأة ووضعته علي السرير ، وغطته باللحاف الحريري الأحمر .. جلست تقرأ عليها سورة يس والمرأة تنزل كميها ، وتسوي ملابسها ، وتستعد للرحيل .. ابن عمها يحمل الخشبة علي كتفه ويتنحنح .. مدت يدها لتفرد الفستان الأسود الذي انزاح عن ساقيها ، زوجها يساعده في إراحة الجسد .. انحنت لتكب ماء الغسل في الإناء الكبير .. وضعت الليفة والصابونة داخله .. ضغطت علي شفتيها وهي ترفعه فوق رأسها .. سارت منتصبة تحته .. أفسح لها جمع النساء أمام الباب الطريق .. حاولت إحدي الجارات أخذ الإناء منها لكنها أصرت علي حمله وهي تقول :
ـ محدش هيكب غسل أمي غيري
اتجهت للنهر .. لا تعرف ما هي الأسطورة التي تؤكد علي كب ماء الغسل في ماء جارٍ ، ولكنها تثق في حدسها .. وفي الأصول الفرعونية لمعظم طقوس الغسل .. الطريق يطول .. وثقل الإناء فوق رأسها يؤلم ظهرها .. الصغار يلعبون علي جانبي الطريق .. حين اقتربت .. وقفت علي حافته ,و أنزلت الإناء إلي مستوي صدرها .. دلقت الماء المختلط بالصابون ، صنع خطين متعرجين وسط الماء الرائق … تشعر الآن أن أمها ماتت .. روحها تختلط بالماء الجاري ، وتضيع .. مدت يدها لتمسح خطين من الدموع انحدرا ببطء ، وعادت .
- أمك ماتت.
تناهى إليها صوت شقيقتها كمن يلقي بحمل أضناه.
أضافت شقيقتها بصوت بدا لها خاليا من أيّ تعبير : - أمك ماتت .
مرّت دقائق ثقيلة كالرصاص. ظلت صامتة.
ربّما حسبت شقيقتها أنها تبكي في صمت كعادتها. فتابعت بصوت بدا لها أكثر برودة:
ـ ارتاحت… محدش شاف عذابها .
وضعت السماعة في هدوء .. كان زوجها يمشّط شعر الصغيرة ..
نظر إليها.
انهارت بجانبه علي الكرسي ..
الصغيرة نفلت من يد الزوج وتمسك بكفي أمها .. رفعت رأسها حين بدأت الصغيرة تبكي .. احتضنتها وغابت في الفراغ .. زوجها يشعر بالارتباك ولا يجد كلمات يواسيها بها .. لقد عادت منذ ساعات بعد أن ظلت بجانبها ثمانية أيام .. وقفت علي استحياء أمام أبيها وقالت له :
ـ هروح أجدد الأجازة وأرجع .
سؤال ظل يتردد في ذهنها .. أما كنت قادرة يا أم علي أن تفيقي لحظات حتي أر ي فيها عيونك لآخر مرة ؟
دست بعض الملابس لها ولزوجها في حقيبة صغيرة.
قررت ترك الصغيرة مع عمتها ، سارت وسط ذهول جيرانها الذين تعاطفوا معها وبدأوا يرددون تعليقات سمعتها في صمت :
ـ السكينة سارقاها
ـ والله أمها كانت ست أميرة
ـ يا عيني هيتبهدلوا في نص الليل ، مواصلات الصعيد صعبة
لم يستطع الزوج أن يساوم كثيراً السائق العجوز .. وافقه علي ما يريد رغم المبالغة الواضحة … واندسا في سيارته المتهالكة ، بدأ الزوج يردد بعض الآيات القرآنية والأدعية وهو يلف ذراعه حول جسدها ، ينظر إلى وجهها من وقت لآخر فيجدها مازالت مستيقظة ، يواصل قراءته وهي تنظر إلى العتمة الممتدة ، أضواء السيارة تبددها ، فتتمايل أشباح الأشجار والنخيل علي الجانبين ، لم تكن تفكر في شيء في تلك اللحظة إلا في ملامحها التي تفر منها ، كيف تتلاشي ملامحها بهذه السرعة ؟!
حاولت تذكر مواقف تجمعهما ، لا شيء في الذاكرة ، كل شيء باهت وبعيد ، تأتيها صور غير مترابطة في عتمة الليل … طوال عمرها كانت العلاقة بينهما غير تقليدية ، هي المرأة الضعيفة ، صورتها وهي تقف حائلاً بينها وبين أبيها وهو يهم بصفعها تحتل الإطار الآن … صوتها الضعيف يحاول إقناعه بعدم الضغط عليها كي تتزوج من ابن أخيه .. يخاف عليها من الجامعة .. وتلك الكتب التي لا تكاد تتركها لحظة …الأفكار ..المصيبة في تلك الأفكار..في البداية تحمس كثيراً حين كان يتابع تفوقها في الدراسة خلال السنوات الأولى .. لكن كلام أخوته عن مخاطر الغربة والسفر علي البنات تربكه .. وهي تصر علي أن يتقبل فكرة خروجهن وتعليمهن :
ـ ولادك متربيين وعاقلين
يد زوجها تربت علي كتفها .. تفر بعيداً حيث الجسد الذي تركته منذ ساعات .. حين اخترقت السيارة الطريق الترابي الذي طال علي غير العادة كانت خيوط الضوء الأولي تبدد العتمة .. الرجال يخرجون للحقول .. صورهم تبدو ضابية في غبش الفجر.. تتبين بعضهم وهم يتحدثون ويجرون وراءهم حيواناتهم .. أسماء البعض الآخر تضيع من ذاكرتها … ولد صغير يقف أمام منزله يدعك عيونه ويشيع السيارة في نظرة لا تدل علي شيء .. النساء اللاتي يذهبن إلى السوق أو للحقل يرمقنها في أسي ..
اقتربت. نزلت تاركة الحقيبة لزوجها .. يشد الزوج علي يد السائق ويشكره .. يبحلق السائق في النقود ، ثم يدسها في جيبه دون تعليق .. يدخل سيارته ويرمق المرأة التي تسير بخطوات متثاقلة .. يقول لها في صوت خافت :
ـ البقية في حياتك يا مدام
خطواتها تزداد ثقلاً .. تلتفت إلي الوراء ما زال الرجل يقود سيارته للوراء ..مساحة الشارع لا تسمح له بالالتفات المباشر .. يسبقها الزوج بخطوات ، ثم يدير رأسه إليها :
ـ مدي
النساء يخرجن من الدور .. يقفن في فضول ويتصعبن ..أيديهن تمتد لتعزيتها .. تمد يدها في ذهول ولا تنطق حرفاً وهن يمصمصن شفاههن :
ـ يا عيني يا بنتي ده حال الغريب
ـ تصدقي أمها دائماً كانت تقول خايفة بنتي متشفناش لما نموت
ـ أصلها كانت طيبة وفيها شيء لله
ابنة عمها تتوسط المندبة .. أختها الصغري ترفع ذراعيها بالشال الأسود وتنادي أمها :
ـ حبيبتك جت يا أمي قومي أجري عليها زي العادة .. نادت باسمك كتير
في ذهول تسأل :
ـ هيه فاقت بعد ما مشيت ؟
الجميع يفسح لها الطريق .. تخترق جموع النساء الباكيات ، وتدخل .. زوجها يذهب إلي الرجال في المندرة الجانبية .. تدخل حجرتها .. اللحاف الحريري الأحمر يغطي جسد أمها .. تزيل الغطاء عن وجهها .. تندهش من نظرة الراحة والسماح عليه .. كانت أمنيتها الدائمة أن تموت طاهرة ومصلية .. والآن تموت في غيبوبة استمرت ثمانية أيام .. لم تتحقق كل أمنياتك يا أمي .. أمنية واحدة فقط هي التي تحققت .. ظلت تردد لرجل يدعي القسوة ، ويخشي أن يظهر حنانه وعطفه … يا رب يجعل يومي قبل يومك … هاهو يومك يأتي يا أمي .. تري هل بكيت عليها يا أبي .. هل عوضتها يوماً عن قسوتك تجاهها .. حين كانت تغيب عند جدتها .. يظل يدخل ويخرج من حجرة لأخري كطفل تركته أمه الآن .. يداوم السؤال :
ـ هيه أمكم قالت هتغيب ؟
الفتيات الثلاث يجبن في نفس واحد :
ـ هتيجي ع المغرب
يعاود النظر في ساعته مرات ومرات .. والفتيات يدارين وجوههن ويبتسمن .. حين يوضع الطعام أمام يرفضه ويداري نظرة خجلي ويقول في صوت خافت
ـ لما أمكم تيجي هبقي آكل .
الآن ستأتي مغارب كثيرة ولن تعود إليك :
ـ المغسلة جاية ..
تدخل المرأة الكفيفة تتحسس الطريق بعصاها .. .تتعثر في عتبة الباب فتجري إليها .. . تمسك بيديها وتجلسها علي الكنبة بجانب السرير .. تطلب من أختها إعداد الماء الساخن .. و تساعدها المرأة علي وضع الجسد المرن في الطشت … تردد الأدعية في صوت خافت وتحفظها ما ستقول وقت الحساب .. تدير الرأس نحو القبلة وتقول :
ـ ما شاء الله .. جسمها ولا العجين الخمران .. من عملها .. أصلي أمك دي بنت خير .. عمرها ما ردت حد ..
كانت تنظر للمرأة التي تردد الأدعية وآيات القرآن ولا ترد .. تملأ الكوب بالماء الساخن وتكبه علي ظهرها ، ويد المرأة تدعك لها بالليفة المغموسة في الصابون .. بعد أن انتهت من غمر جسدها بالماء الساخن ضمت ساقيها إلي ركبتيها مرات عديدة وأمام دهشة البنت التي لم تعلنها :
ـ علشان ميبقاش في بطنها ريح ولا فضلات وتقابل ربها طاهرة .
لم تندهش من معرفة المرأة لنظرة الذهول علي وجهها وقالت في نفسها كل العميان لديهم قدرات غير عادية .. همت أن تقول لها لا يمكن أن يكون في بطنها أي ريح أو فضلات لأنها كانت في غيبوبة ، ولكنها صمتت في اللحظة الأخيرة … نظرت إلي جسد أمها الطري وصمتت .. بعد أن انتهت المرأة من عملها لفتها في الكفن الأبيض ووضعت القطن في أذنيها وفمها .. حملت الجسد من بين يدي المرأة ووضعته علي السرير ، وغطته باللحاف الحريري الأحمر .. جلست تقرأ عليها سورة يس والمرأة تنزل كميها ، وتسوي ملابسها ، وتستعد للرحيل .. ابن عمها يحمل الخشبة علي كتفه ويتنحنح .. مدت يدها لتفرد الفستان الأسود الذي انزاح عن ساقيها ، زوجها يساعده في إراحة الجسد .. انحنت لتكب ماء الغسل في الإناء الكبير .. وضعت الليفة والصابونة داخله .. ضغطت علي شفتيها وهي ترفعه فوق رأسها .. سارت منتصبة تحته .. أفسح لها جمع النساء أمام الباب الطريق .. حاولت إحدي الجارات أخذ الإناء منها لكنها أصرت علي حمله وهي تقول :
ـ محدش هيكب غسل أمي غيري
اتجهت للنهر .. لا تعرف ما هي الأسطورة التي تؤكد علي كب ماء الغسل في ماء جارٍ ، ولكنها تثق في حدسها .. وفي الأصول الفرعونية لمعظم طقوس الغسل .. الطريق يطول .. وثقل الإناء فوق رأسها يؤلم ظهرها .. الصغار يلعبون علي جانبي الطريق .. حين اقتربت .. وقفت علي حافته ,و أنزلت الإناء إلي مستوي صدرها .. دلقت الماء المختلط بالصابون ، صنع خطين متعرجين وسط الماء الرائق … تشعر الآن أن أمها ماتت .. روحها تختلط بالماء الجاري ، وتضيع .. مدت يدها لتمسح خطين من الدموع انحدرا ببطء ، وعادت .