شادي الشهري
09-19-2009, 08:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ترجمة لخطاب الكاتب الياباني موراكامي
قام المترجم د.شادي حجازي بترجمة كاملة ورائعة لخطاب الكاتب والروائي الياباني هاروكي موراكامي الذي ألقاه في القدس 2009 عندما استلم الجائزة الأدبية الرفيعة في دولة إسرائيل . و يقول المترجم في المقدمة ” و قد طولب ( موراكامي ) بعدم قبول هذه الجائزة بسبب العنف الهائل الذي كانت اسرائيل ترتكبه بحق المدنيين العزل في قطاع غزة، بيد أنه آثر الذهاب لتسلم الجائزة و ألقى خطاباً أدان فيه العنف الاسرائيلي .. كانت لغة الخطاب قطعة أدبية مكتوبة بلغته الروائية المعتادة، و بين فيه مسؤولية الروائي تجاه المجتمع ” >> لنقرأ سويا ً .
http://www.hasanjp.com/wp-content/uploads/2009/03/haruki-murakami.jpg
دوما ً إلى جانب البيضة
هاروكي موراكامي
ترجمة: د. شادي مكرم حجازي
مساء الخير. لقد أتيت إلى القدس اليوم كروائي، يعني كحائك أكاذيب محترف.
و بالطبع، ليس الروائيون وحدهم من يقولون الأكاذيب، بعض السياسيين يفعلون ذلك أيضاً كما نعلم جميعاً، كما يقول الدبلوماسيون و العسكريون أنواعهم الخاصة من الأكاذيب بين الفينة و الأخرى، و كذلك يفعل بائعو السيارات المستعملة و اللحامون و البناؤون. و لكن أكاذيب الروائيين تختلف عن الآخرين إذ لا ينتقد أحد الروائي أخلاقياً لأنه يكذب. بل أنه كلما كانت أكاذيبه أكبر و أفضل و كلما ألفها بإبداع أكبر كلما زاد احتمال أن يمدحه العامة و النقاد. ما هو السبب في ذلك؟
جوابي هو الآتي: عندما يقوم الروائي بقص أكاذيب حاذقة، أي أن يقوم بتأليف أحداث متخيلة تبدو كأنها حقيقة، فهو يجلب الحقيقة إلى مكان جديد و يسلط عليها ضوءاً جديداً. و في معظم الحالات فإنه من شبه المستحيل إدراك الحقيقة في شكلها الأصلي و تصويرها بدقة، لذلك فنحن نحاول إمساكها من ذيلها من خلال استدراج الحقيقة خارج المكان الذي تختبئ فيه، و نقلها إلى مكان متخيل، و استبدالها بشكل متخيل. و لكن للقيام بذلك فلا بد في البداية من توضيح أين تكمن الحقيقة فينا، فهذا شرط مهم لصنع أكاذيب جيدة.
لكن اليوم ليست عندي نية أن أكذب، و سأحاول أن أكون صادقاً قدر الإمكان. هناك أيام قليلة في العام لا أكذب فيها و اتفق أن اليوم واحد منها.
لذلك دعوني أخبركم الحقيقة، لقد نصحني عدد كبير من الناس في اليابان ألا آتي إلى هنا و أقبل جائزة القدس، كما حذرني البعض أنهم سيحرضون على مقاطعة كتبي إن أتيت. و السبب في هذا طبعاً هو المعركة الشرسة التي كانت مستعرة في غزة، و قد ذكرت الأمم المتحدة أن أكثر من ألف شخص فقدوا أرواحهم في مدينة غزة المحاصرة، و الكثير منهم مدنيون عزل، أطفال و عجائز.
و قد سألت نفسي مرات عديدة بعد إعلامي بالجائزة فيما لو كان السفر إلى اسرائيل في وقت مثل هذا و قبول جائزة أدبية هو الأمر المناسب فعله، و فيما لو كان قيامي بذلك سيخلق الانطباع أنني أساند أحد طرفي هذا النزاع و أنني أتبنى سياسات بلد اختار أن يطلق العنان لقوته العسكرية الكاسحة. و هذا انطباع لا أرغب بالتأكيد أن أتركه، فأنا لا أقر أي حرب و لا أساند أي بلد، و بالتأكيد فإني لا أرغب بأن أرى كتبي خاضعة للمقاطعة.
و لكني في النهاية قررت بعد التفكير العميق أن آتي إلى هنا. أحد أسباب قراري هذا أن عدداً كبيراً جداً من الناس نصحوني ألا أفعل ذلك، و كالعديد من الروائيين الآخرين أميل إلى القيام بالعكس تماماً مما يقال لي. فلو أخبرني الناس –خاصة إذا كانوا مُحذِّرين- أن “لا تذهب إلى هناك” أو أن “لا تفعل ذلك” فإني أميل إلى “الذهاب إلى هناك” و إلى “فعل ذلك”. و يمكن القول أن هذه من طبيعتي كروائي. الروائيون هم سلالة خاصة. فهم لا يستطيعون أن يثقوا بصدق أي شيء لم يروه بأعينهم أو يلمسوه بأيديهم.
و لذلك أنا هنا، فقد اخترت أن آتي بدل أن أبقى بعيداً، اخترت أن أرى بنفسي بدل ألا أرى، اخترت أن اتحدث اليكم بدل أن لا أقول شيئاً.
و هذا لا يعني أني هنا لأقول رسالة سياسية. من المؤكد أن وضع أحكام حول الصواب و الخطأ هو واحد من أهم واجبات الروائي، و لكن على كل كاتب أن يختار بنفسه الشكل الذي سيقوم به بنقل هذه الأحكام للآخرين. و أنا شخصياً أفضل أن أحولها إلى قصص، قصص تميل نحو السوريالية، لذلك فأنا لا أرغب اليوم أن اقف أمامكم و أعطي رسالة سياسية مباشرة.
و لكن اسمحوا لي من فضلكم أن أوصل رسالة شخصية جداً، و هي شيء أبقيه دوماً في ذهني عندما أكتب القصص، و لم يسبق لي أن ذهبت إلى حد أن أكتب ذلك على ورقة و ألصقه على الجدار، و إنما هو شيء محفور في جدار عقلي، و هذا الشيء هو:
“عندما يكون هناك جدار صلب شاهق و بيضة تتكسر عليه فإني سأقف دوماً إلى جانب البيضة”
نعم. لا يهم درجة الصواب التي قد يكون الجدار عليها و درجة الخطأ التي قد تكون البيضة عليها، أنا سأقف إلى جانب البيضة. و على الآخرين أن يقرروا ما هو الصواب و ما هو الخطأ، و ربما كان الوقت أو التاريخ هو الذي سيقرر. إذ لو كان هناك روائي لسبب ما يكتب أعمالاً تقف إلى جانب الجدار فأي قيمة ستكون لأعماله؟
ما هو معنى هذا التشبيه؟ في بعض الحالات يبدو واضحاً و بسيطاً للغاية. القنابل و الدبابات و الصواريخ و قذائف الفوسفور الأبيض هي الجدار الصلب الشاهق، و البيض هم أولئك المدنيون العزل الذين يتحطمون و يحترقون و يصابون بها. و هذا هو أحد المعاني الصحيحة لهذا التشبيه.
و لكن هذا ليس كل شيء، فالتشبيه يحمل معاني أعمق. فكروا به بالطريقة التالية: كل واحد منا، بدرجة أو بأخرى، هو بيضة. كل واحد منا هو روح فريدة لا بديل لها موجودة في قشرة هشة. هذا ينطبق علي و على كل واحد منكم. و كل واحد منا بدرجة كبيرة أو صغيرة يواجه جداراً صلباً شاهقاً. و لهذا الجدار اسم و هو “النظام”. يفترض بـ”النظام” أن يحمينا و لكنه في بعض الأوقات يكتسب حياة خاصة به و يبدأ عندها بقتلنا و دفعنا لقتل الآخرين، ببرود و فعالية و بطريقة ممنهجة.
إن لدي سبباً وحيداً لكتابة الروايات و هو أن أجلب كرامة الروح الفردية إلى السطح و أن أسلط الضوء عليها. و هدف أي قصة هو قرع جرس الانذار و ابقاء الضوء مسلطاً على “النظام” لمنعه من شبك أرواحنا بشبكته و إذلالها. و أنا أؤمن تماماً أن عمل الروائي هو أن يستمر في محاولة توضيح فرادة كل روح إنسانية من خلال كتابة القصص، قصص عن الحياة و الموت، قصص عن الحب، قصص تدفع الناس للبكاء و الارتعاش من الخوف و الارتجاج من الضحك. لهذا فنحن نستمر يوماً بعد يوم باختلاق الحكايا بجدية تامة.
لقد توفى والدي العام الماضي بعمر التسعين عاماً. و هو كان معلماً متقاعداً و راهباً بوذياً غير متفرغ. و عندما كان في الجامعة يتابع دراساته العليا في كيوتو سيق إلى الجيش و أرسل للقتال في الصين. و عندما كنت طفلاً ولد بعد الحرب فقد كنت معتاداً على رؤيته كل صباح قبل الافطار يقوم بصلاة طويلة و خاشعة في ركن العبادة البوذي في منزلنا. و قد سألته مرة عن سبب قيامه بذلك فأخبرني أنه كان يصلي للناس الذين ماتوا في الحرب. لقد كان يصلي لكل الناس الذين ماتوا كما قال، للحلفاء و الأعداء على حد سواء. و عندما كنت أتأمل في ظهره الراكع أمام ركن الصلاة كان يبدو لي أنني أشعر بظلال الموت تحوم حوله.
توفى والدي، و أخذ معه ذكرياته، الذكريات التي ما عاد بإمكاني أن أعرفها، و لكن حضور الموت الذي كان يتربص حوله بقي في ذاكرتي أنا، و هو أحد الأشياء القليلة التي بقيت لي منه و واحد من أهمها.
و لدي اليوم شيء واحد أرغب في نقله إليكم. كلنا بشر، أفراد نتعدى الجنسية و العرق و الدين، و كلنا بيض، كلنا بيض هش يواجه جداراً صلباً يسمى “النظام”. و كيفما نظرنا لا يبدو أن هناك أمل بالانتصار. فالجدار شاهق جداً و قوي جداً و بارد جداً. إما إن كان لدينا أي أمل بالانتصار فهو لا يأتي إلا من إيماننا بالفرادة المطلقة و بعدم وجود بديل لأرواحنا و أرواح الآخرين، و من الدفء الذي نكسبه عندما نضم أرواحنا سوية.
خذوا دقيقة للتفكير بذلك، كل منا لديه روح حية محسوسة، و ليس لـ”النظام” شيء كهذا. يجب ألا نسمح لـ”النظام” باستغلالنا. يجب ألا نسمح لـ”النظام” بأن تكون له حياة خاصة به. ليس “النظام” مَن صنَعَنَا، نحن صنعنا “النظام”.
هذا كل ما لدي لأقوله لكم.
أنا ممتن لحصولي على جائزة القدس، و ممتن لأن كتبي مقروءة من الناس في أجزاء كثيرة من العالم، و أريد أن أعبر عن امتناني لقرائي في إسرائيل. أنتم السبب الأكبر لوجودي هنا، و أتمنى أننا نتشارك في شيء، شيء عميق المعنى. و أنا سعيد لأن الفرصة قد أتيحت لي لأن أتحدث اليوم إليكم هنا.
شكراً جزيلاً لكم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ترجمة لخطاب الكاتب الياباني موراكامي
قام المترجم د.شادي حجازي بترجمة كاملة ورائعة لخطاب الكاتب والروائي الياباني هاروكي موراكامي الذي ألقاه في القدس 2009 عندما استلم الجائزة الأدبية الرفيعة في دولة إسرائيل . و يقول المترجم في المقدمة ” و قد طولب ( موراكامي ) بعدم قبول هذه الجائزة بسبب العنف الهائل الذي كانت اسرائيل ترتكبه بحق المدنيين العزل في قطاع غزة، بيد أنه آثر الذهاب لتسلم الجائزة و ألقى خطاباً أدان فيه العنف الاسرائيلي .. كانت لغة الخطاب قطعة أدبية مكتوبة بلغته الروائية المعتادة، و بين فيه مسؤولية الروائي تجاه المجتمع ” >> لنقرأ سويا ً .
http://www.hasanjp.com/wp-content/uploads/2009/03/haruki-murakami.jpg
دوما ً إلى جانب البيضة
هاروكي موراكامي
ترجمة: د. شادي مكرم حجازي
مساء الخير. لقد أتيت إلى القدس اليوم كروائي، يعني كحائك أكاذيب محترف.
و بالطبع، ليس الروائيون وحدهم من يقولون الأكاذيب، بعض السياسيين يفعلون ذلك أيضاً كما نعلم جميعاً، كما يقول الدبلوماسيون و العسكريون أنواعهم الخاصة من الأكاذيب بين الفينة و الأخرى، و كذلك يفعل بائعو السيارات المستعملة و اللحامون و البناؤون. و لكن أكاذيب الروائيين تختلف عن الآخرين إذ لا ينتقد أحد الروائي أخلاقياً لأنه يكذب. بل أنه كلما كانت أكاذيبه أكبر و أفضل و كلما ألفها بإبداع أكبر كلما زاد احتمال أن يمدحه العامة و النقاد. ما هو السبب في ذلك؟
جوابي هو الآتي: عندما يقوم الروائي بقص أكاذيب حاذقة، أي أن يقوم بتأليف أحداث متخيلة تبدو كأنها حقيقة، فهو يجلب الحقيقة إلى مكان جديد و يسلط عليها ضوءاً جديداً. و في معظم الحالات فإنه من شبه المستحيل إدراك الحقيقة في شكلها الأصلي و تصويرها بدقة، لذلك فنحن نحاول إمساكها من ذيلها من خلال استدراج الحقيقة خارج المكان الذي تختبئ فيه، و نقلها إلى مكان متخيل، و استبدالها بشكل متخيل. و لكن للقيام بذلك فلا بد في البداية من توضيح أين تكمن الحقيقة فينا، فهذا شرط مهم لصنع أكاذيب جيدة.
لكن اليوم ليست عندي نية أن أكذب، و سأحاول أن أكون صادقاً قدر الإمكان. هناك أيام قليلة في العام لا أكذب فيها و اتفق أن اليوم واحد منها.
لذلك دعوني أخبركم الحقيقة، لقد نصحني عدد كبير من الناس في اليابان ألا آتي إلى هنا و أقبل جائزة القدس، كما حذرني البعض أنهم سيحرضون على مقاطعة كتبي إن أتيت. و السبب في هذا طبعاً هو المعركة الشرسة التي كانت مستعرة في غزة، و قد ذكرت الأمم المتحدة أن أكثر من ألف شخص فقدوا أرواحهم في مدينة غزة المحاصرة، و الكثير منهم مدنيون عزل، أطفال و عجائز.
و قد سألت نفسي مرات عديدة بعد إعلامي بالجائزة فيما لو كان السفر إلى اسرائيل في وقت مثل هذا و قبول جائزة أدبية هو الأمر المناسب فعله، و فيما لو كان قيامي بذلك سيخلق الانطباع أنني أساند أحد طرفي هذا النزاع و أنني أتبنى سياسات بلد اختار أن يطلق العنان لقوته العسكرية الكاسحة. و هذا انطباع لا أرغب بالتأكيد أن أتركه، فأنا لا أقر أي حرب و لا أساند أي بلد، و بالتأكيد فإني لا أرغب بأن أرى كتبي خاضعة للمقاطعة.
و لكني في النهاية قررت بعد التفكير العميق أن آتي إلى هنا. أحد أسباب قراري هذا أن عدداً كبيراً جداً من الناس نصحوني ألا أفعل ذلك، و كالعديد من الروائيين الآخرين أميل إلى القيام بالعكس تماماً مما يقال لي. فلو أخبرني الناس –خاصة إذا كانوا مُحذِّرين- أن “لا تذهب إلى هناك” أو أن “لا تفعل ذلك” فإني أميل إلى “الذهاب إلى هناك” و إلى “فعل ذلك”. و يمكن القول أن هذه من طبيعتي كروائي. الروائيون هم سلالة خاصة. فهم لا يستطيعون أن يثقوا بصدق أي شيء لم يروه بأعينهم أو يلمسوه بأيديهم.
و لذلك أنا هنا، فقد اخترت أن آتي بدل أن أبقى بعيداً، اخترت أن أرى بنفسي بدل ألا أرى، اخترت أن اتحدث اليكم بدل أن لا أقول شيئاً.
و هذا لا يعني أني هنا لأقول رسالة سياسية. من المؤكد أن وضع أحكام حول الصواب و الخطأ هو واحد من أهم واجبات الروائي، و لكن على كل كاتب أن يختار بنفسه الشكل الذي سيقوم به بنقل هذه الأحكام للآخرين. و أنا شخصياً أفضل أن أحولها إلى قصص، قصص تميل نحو السوريالية، لذلك فأنا لا أرغب اليوم أن اقف أمامكم و أعطي رسالة سياسية مباشرة.
و لكن اسمحوا لي من فضلكم أن أوصل رسالة شخصية جداً، و هي شيء أبقيه دوماً في ذهني عندما أكتب القصص، و لم يسبق لي أن ذهبت إلى حد أن أكتب ذلك على ورقة و ألصقه على الجدار، و إنما هو شيء محفور في جدار عقلي، و هذا الشيء هو:
“عندما يكون هناك جدار صلب شاهق و بيضة تتكسر عليه فإني سأقف دوماً إلى جانب البيضة”
نعم. لا يهم درجة الصواب التي قد يكون الجدار عليها و درجة الخطأ التي قد تكون البيضة عليها، أنا سأقف إلى جانب البيضة. و على الآخرين أن يقرروا ما هو الصواب و ما هو الخطأ، و ربما كان الوقت أو التاريخ هو الذي سيقرر. إذ لو كان هناك روائي لسبب ما يكتب أعمالاً تقف إلى جانب الجدار فأي قيمة ستكون لأعماله؟
ما هو معنى هذا التشبيه؟ في بعض الحالات يبدو واضحاً و بسيطاً للغاية. القنابل و الدبابات و الصواريخ و قذائف الفوسفور الأبيض هي الجدار الصلب الشاهق، و البيض هم أولئك المدنيون العزل الذين يتحطمون و يحترقون و يصابون بها. و هذا هو أحد المعاني الصحيحة لهذا التشبيه.
و لكن هذا ليس كل شيء، فالتشبيه يحمل معاني أعمق. فكروا به بالطريقة التالية: كل واحد منا، بدرجة أو بأخرى، هو بيضة. كل واحد منا هو روح فريدة لا بديل لها موجودة في قشرة هشة. هذا ينطبق علي و على كل واحد منكم. و كل واحد منا بدرجة كبيرة أو صغيرة يواجه جداراً صلباً شاهقاً. و لهذا الجدار اسم و هو “النظام”. يفترض بـ”النظام” أن يحمينا و لكنه في بعض الأوقات يكتسب حياة خاصة به و يبدأ عندها بقتلنا و دفعنا لقتل الآخرين، ببرود و فعالية و بطريقة ممنهجة.
إن لدي سبباً وحيداً لكتابة الروايات و هو أن أجلب كرامة الروح الفردية إلى السطح و أن أسلط الضوء عليها. و هدف أي قصة هو قرع جرس الانذار و ابقاء الضوء مسلطاً على “النظام” لمنعه من شبك أرواحنا بشبكته و إذلالها. و أنا أؤمن تماماً أن عمل الروائي هو أن يستمر في محاولة توضيح فرادة كل روح إنسانية من خلال كتابة القصص، قصص عن الحياة و الموت، قصص عن الحب، قصص تدفع الناس للبكاء و الارتعاش من الخوف و الارتجاج من الضحك. لهذا فنحن نستمر يوماً بعد يوم باختلاق الحكايا بجدية تامة.
لقد توفى والدي العام الماضي بعمر التسعين عاماً. و هو كان معلماً متقاعداً و راهباً بوذياً غير متفرغ. و عندما كان في الجامعة يتابع دراساته العليا في كيوتو سيق إلى الجيش و أرسل للقتال في الصين. و عندما كنت طفلاً ولد بعد الحرب فقد كنت معتاداً على رؤيته كل صباح قبل الافطار يقوم بصلاة طويلة و خاشعة في ركن العبادة البوذي في منزلنا. و قد سألته مرة عن سبب قيامه بذلك فأخبرني أنه كان يصلي للناس الذين ماتوا في الحرب. لقد كان يصلي لكل الناس الذين ماتوا كما قال، للحلفاء و الأعداء على حد سواء. و عندما كنت أتأمل في ظهره الراكع أمام ركن الصلاة كان يبدو لي أنني أشعر بظلال الموت تحوم حوله.
توفى والدي، و أخذ معه ذكرياته، الذكريات التي ما عاد بإمكاني أن أعرفها، و لكن حضور الموت الذي كان يتربص حوله بقي في ذاكرتي أنا، و هو أحد الأشياء القليلة التي بقيت لي منه و واحد من أهمها.
و لدي اليوم شيء واحد أرغب في نقله إليكم. كلنا بشر، أفراد نتعدى الجنسية و العرق و الدين، و كلنا بيض، كلنا بيض هش يواجه جداراً صلباً يسمى “النظام”. و كيفما نظرنا لا يبدو أن هناك أمل بالانتصار. فالجدار شاهق جداً و قوي جداً و بارد جداً. إما إن كان لدينا أي أمل بالانتصار فهو لا يأتي إلا من إيماننا بالفرادة المطلقة و بعدم وجود بديل لأرواحنا و أرواح الآخرين، و من الدفء الذي نكسبه عندما نضم أرواحنا سوية.
خذوا دقيقة للتفكير بذلك، كل منا لديه روح حية محسوسة، و ليس لـ”النظام” شيء كهذا. يجب ألا نسمح لـ”النظام” باستغلالنا. يجب ألا نسمح لـ”النظام” بأن تكون له حياة خاصة به. ليس “النظام” مَن صنَعَنَا، نحن صنعنا “النظام”.
هذا كل ما لدي لأقوله لكم.
أنا ممتن لحصولي على جائزة القدس، و ممتن لأن كتبي مقروءة من الناس في أجزاء كثيرة من العالم، و أريد أن أعبر عن امتناني لقرائي في إسرائيل. أنتم السبب الأكبر لوجودي هنا، و أتمنى أننا نتشارك في شيء، شيء عميق المعنى. و أنا سعيد لأن الفرصة قد أتيحت لي لأن أتحدث اليوم إليكم هنا.
شكراً جزيلاً لكم.