الشـــــفق
09-26-2009, 09:59 PM
يوم الأربعاء
/ فائدة
/ حوارات مؤثرة
يوم الأربعاء
فرصة لا تعوض
قالr : (( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن .......... ودعوة المسافر )) وقال : (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء )) [ رواه مسلم ] . فقد اجتمع لديك سببان من أسباب إجابة الدعاء السفر وحال السجود ، فاحرص على الدعاء وأنت ساجد بخيري الدنيا والآخرة .
حوار مع الغفلة
دخلت شرفة مكتبي فوجدت كتاباً ملقى على الأرض .... نظرت مستغرباً ومتسائلاً !! من الذي وضعه هنا ؟! إنني حريص على ترتيب مكتبتي .
فمن الذي رماه على الأرض ؟! هل سقط هو بنفسه ؟! أم أن شخصاً عبث بكتابي ؟! مددت يدي مرة أخرى لتناول الكلمة فقالت : لا تمسكني ! نظرت إليها مستغرباً . وإذا بها كلمة ( الغفلة ) .
قلت : أكلمة تتكلم ؟!!
قالت : نعم .... إذا كثرت الغفلات نطقت الكلمات .
قلت وما قصدك .
الغفلة : أعني أن هناك ضربين للغفلة عامة وخاصة، فأما العامة فهي غفلة الكفار عن الإسلام، وأما الخاصة فهي التي تخصك.
قلت : وما هي ؟! .
الغفلة : هي غفلتك وغفلة بعض المسلمين عن المعاني الإيمانية فإنكم قليلو المراقبة ، قليلو المجاهدة، قليلو المحاسبة، قليلو التوبة.
قلت : نعم كلامك صحيح ، فأنا قوي من الناحية الثقافية إلا أنني ضعيف من الناحية الإيمانية ، وأعيش في غفلة . فما السبب يا ( غفلة ) ؟!
الغفلة : السبب واضح ، فمراقبة الغافلين هي السبب ، لأنهم يجملون لك القبيح ، ويزينون لك السيئات ، ولهذا نهى الله تعالى عن صحبتهم وطاعتهم بقوله تعالى : {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}[الكهف: من الآية28] أما من جاور الكرام فقد أمن من الإعدام .
قلت : وكيف تتحقق ( الغفلة القلبية ) ؟
الغفلة : ( حين يتجه الإنسان إلى ذاته ، وإلى ماله ، وإلى أبنائه ، وإلى متاعه ولذائذه وشهواته ، فلم يجعل في قلبه متسعاً لله).
عند ذلك تتحقق الغفلة القلبية والتي نهى الله عن اتباع من كان قلبه غافلاً بقوله : {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا } [الكهف : من الآية28]
قلت : وهل تظنين أن مرافقة أهل الغفلة له أثر ؟!
الغفلة : اعلم يا عبد الله ( أن الدخان وأن لم يحرق البيت سوده )
قلت : إنه لمثل جميل ، ولكن ما مظاهر الغفلة الإيمانية في القلب ؟
الغفلة : تجد الغافل لا يفرح إذا ما اختلى بالله عز وجل . وتجده لا يأنس ولا يضرب لذكر الله تعالى وقراءة كتابه . وتجده لا يشتاق للنظر إلى وجه الله عز وجل . ولهذا قال الله تعالى : {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف:205] .
قلت متحمساً : نعم هذه هي مشكلتي فإنني اعتدت على ذلك ، فلا آنس بالخلوة مع الله تعالى وكثرة ذكره .
ثم عاد فقال : ولكن أريد منك أن تضربي لي مثالاً على أثر الغفلة في حياتي حتى أزداد فهماً وقناعة .
الغفلة : هب أنك ضعفت في صحراء قاحلة ، ونفذ طعامك وشربك حتى كدت تموت جوعاً ، واستسلمت لشبح الموت ، وبينما أنت في انتظاره ، رأيت قافلة بعيدة ، فقفزت قائماً ، وأسرعت للحاق بها ، وبينما أنت تجري دخلت شوكة في قدمك فنظرت إلى أسفل ، ثم رفعت بصرك وإذا بالقافلة قد اختفت عن ناظريك .
قلت : وأين معنى الغفلة هنا ؟
الغفلة : النظر إلى أشواك الدنيا يا عبد الله
قلت : وما أشواك الدنيا ؟
الغفلة : هي التعلق بالدنيا ، وميلان القلب إلى النساء والمال والمنصب والزينة وتقديمها على حق الله تعالى ، فحينما تتحقق الغفلة بأنواعها المختلفة من غفلة القلب أو اللسان أو الأذان أو العين ، يكون المرء من أهل البلاء .
قلت : لقد تذكرت جملة قد قرأتها منذ زمن ، وهي قول لأحد العارفين حين قال : إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية . ثم قال : أتدرون من هم أهل البلاء ؟ هم أهل الغفلة عن الله سبحانه .
الغفلة : نعم هذا صحيح ( فطوبى لمن تنبه من رقاده ، وبكى على ماضي فساده ، وخرج من دائرة سداده ، عساه يمحو بصحيح اعترافه وقبيح اقترافه قبل أن يقول فلا ينفع ، ويعتذر فلا يسمع ) فالتفتت الغفلة إلى عبد الله وإذا بعينه تذرف دمعاً . فقالت له : ( ربما عثرة تعتري المسلم في طريقه دلته على تقصير في الطريق فيزداد عملاً وتقوى ) ، ثم قالت : ولكني أبشرك يا عبد الله فليس كل غفلة محمودة .
قلت : وهل هذا يعقل ؟!
الغفلة : نعم وقد تحدث عنها مطرف بن عبد الله – رحمه الله – حين قال : ( لو علمت متى أجلي لخشيت على ذهاب عقلي ، ولكن الله من إلى عباده بالغفلة عن الموت ، ولولاها ما تهنَّأوا بعيش ولا قامت بينهم الأسواق ) ، فهذا هو المعنى الوحيد الحسن لاسمي ، إلا أن الناس في غفلة عنه .
قلت : صدقت والله .
الغفلة : ولكن هناك معنى أخير ، لم أتطرق له .
قلت : وما هو ؟ فإنني في حاجة إلى فهم الغفلة فهماً شاملاً ، حتى أعرف كيف أرتقي بنفسي وأصلح سريرتي .
الغفلة : أما المعنى الأخير فهو معرفة السبب الرئيسي للاستهزاء بالناس ، والنظر إلى عيونهم ، وهو بالغفلة عن النفس ، كما قال عون بن عبد الله – رحمه الله – في صفة الصفوة ( ما أجد أحداً تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه ) فأتعظ يا عبد الله ، ولا تغفل عن ذكر الله ، وتذكر الناس .
قلت : بارك الله فيك ، يا غفلة وأسأل الله أن يعينني عليك منك .
الغفلة : وأنت كذلك بارك الله فيك، واحرص على عدم غفلة القلب إيمانياً حتى تكون من المتقين، وتُدْعى إن شاء الله تعالى
قلت : وأي عرس ذلك ؟
الغفلة : ( عرس المتقين يوم القيامة ) ، فمن وفق للهداية فرح بالعرس وبورك له فيه ، ومن كان غافلاً قيل له : {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا }[ الأعراف: من الآية51] ، ثم مد عبد الله يده وأخذ الكلمة وهو فرح بهذه الفوائد التي سمعها ، وعزم على أن يراقب قلبه ، حتى لا يغفل عن ربه ، ثم فتح الكتاب ووضع الكلمة محلها ثم أغلق الكتاب ووضعه في المكتبة وأخذ يكرر :
اللهم لا تجعلني من الغافلين .
اللهم لا تجعلني من الغافلين .
بشرى لكل شاب .
قال r : (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظلَّهُ ........... ومنهم ........ شاب نشأ في طاعة الله )) [ متفق عليه ] .
إن الناس يوم القيامة تدنو منهم الشمس ويبلغ منهم العرق كل مبلغ ويصيبهم من الأهوال ما يصيبهم .... وبينما الناس كذلك هناك من هو ينعم بظل عرش الرحمن ...
أخي الشاب .... هل طموح الشباب وعزيمته يعجزان عن السعي لإدراك هذا الفضل ؟! .
***************************
يوم الأربعاء
حوار مع الهمة
الغرفة مظلمة ، لا تكاد ترى يدك فيها من شدة الظلام ، وإبراهيم ممدد على فراشه في الجانب الأيمن من الغرفة ، وبقربه مكتبه ضخمة يضع كتبه فيها وفي الرف الأسفل منها يضع هاتفه القديم .
وفجأة ! رنَّ الهاتف ، يسمع إبراهيم الصوت ولكنه يعتقد أن هذا الصوت هو صوت جرس إنذار الحريق في الرؤيا التي كان يراها وهو نائم .
ثم عاد الصوت مرة أخرى ، ففتح إبراهيم إحدى عينيه ومد يده يتجسس مكان الهاتف ، ووضع يده على السماعة إلى أن الصوت قد توقف .
ثم عاد الصوت مرة أخرى فقفز إبراهيم من فراشه وأخذ يفرك عينيه وهو يقول : يا رب سهل !!
من يتصل بي في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟!
يا رب أحفظ والديّ !!
ثم رفع سماعة الهاتف وقال : نعم من يتكلم ؟!
فلم يرد عليه أحد .. فقال : ألو ... ألو .. فانقطع الخط .
فقال إبراهيم : إنكم شباب ضائعون .. تنامون النهار وتسهرون في الليل .
ثم عاد إلى فراشه ، وتمدد تحت الغطاء حيث كان الجو باداً ، وحاول أن يغمض عينيه ، لكن جهاز الهاتف عاد يرن من جديد ، فغضب إبراهيم وقام ورفع سماعة الهاتف بسرعة وقال : من يتكلم ؟
فرد عليه صوت خشن وقال : أنا غريب ...
فصرخ إبراهيم وقال : وماذا تريد ؟!
الصوت : أريد رجلاً يشاركني همومي وأحزاني .
إبراهيم : إنه يبدو قد أخطأت في المنزل ؟ الصوت : لا .. أنا لست مخطئاً .. ألست أنت إبراهيم عندما سمع اسمه ، وأخذ يفكر في الصوت وصاحبه ، وحاول أن يتعرف عليه ولكن بدون جدوى .
فقال : من أنت ؟!
الصوت : قلت لك أنا غريب ؟!
إبراهيم : وكيف عرفت اسمي ؟!
الصوت : هذا ليس من شأنك .
إبراهيم : حسناً .. اخبرني عن اسمك .
الصوت : لا يفيدك معرفة اسمي ، ولكني أريد رجلاً أصارحه ويصارحني ، حتى يخفف على الآمي وأحزاني ، فيواسيني .. ولهذا اتصلت بك .. فإذا كنت لا تريدني فاتركني وشأني .
فتردد إبراهيم ثم قال في نفسه .. ماذا يضرني لو تحدثت مع رجل لا أعرفه ؟
ثم قال تفضل ... هات ما عندك .
الصوت : وهو يتنهّد : آه .. إنها ضعف همة المسلمين يا إبراهيم ..
إبراهيم : وهل تعني أن همتي ضعيفة ؟
الصوت : لو كانت همتك ضعيفة لما أردت أن أصارحك وتصارحني ولكني اخترتك من جملة المسلمين لأن همتك عالية .
إبراهيم وما أسباب ضعف الهمة ؟
الصوت : اعتقد أن هناك أسباباً متعلقة بالمسلم نفسه ، وأخرى متعلقة بالواقع الذي يعيشه .
إبراهيم : وما الأسباب المتعلقة بالمسلم نفسه .
الصوت : كثيرة ، ولكن أذكر منها :
أولاً : عدم فهم بعض المسلمين لحقيقة دعوتهم وسر نشاطهم ، فبعضهم يتحرك للدعوة وكأنها مهنة وقتية أو هواية طفولية .
ثانياً : ضعف الإيمان وبالأخص باليوم الآخر في قلوب بعض المسلمين ، مما يجعلهم يتحركون للدعوة هواية لا طاعة .
ثالثاً : عدم تحصن بعض المسلمين من فتن الحياة الدنيا ، مما يؤدي بعد طول عمر دعوى إلى ضعف قلوبهم وسقوطهم .
إبراهيم : نعم .. إنني أشاركك الرأي ، وأنا أشعر أن النقطة الثانية تمسني جداً .
ولكن ماذا عن الأسباب الواقعية ؟ وهل تقصد أن الوظيفة أو الدراسة تؤثر في الهمة ؟
الهمة : أقول أن الأسباب الواقعية هي :
أولاً : تآلب أعداء الله لضرب الإسلام مما يؤثر في تأخير النصر فيمّل بعض المسلمين من الإصلاح وتضعف همتهم عن العمل.
ثانياً : انتشار الفساد في البقعة التي ينشط فيها المسلم مما يؤثر في حسن طاعته وقوة إنتاجه .
فهذه هي الأسباب ، وأنا حزين على وجودها ، ولكن الذي يسليني هو التفاؤل بالخير ، وحسن الظن بالله تعالى ، وأن الأمل بالمسلمين كبير فهم ملح البلاد وزهرة العباد .
إبراهيم : صدقت ... لقد أحسنت العرض ، وعرفت سبب همك وحزنك ، ولكني لم أعرف ما سبب اتصالك بي في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟
الهمة : الحقيقة .. إنك تعجبني بهمتك وحركتك بالدعوة إلى الله تعالى .. ولهذا أحببت أن أشكو لك بعض أمري .
إبراهيم : بارك الله فيك ، وسأبلغ رسالتك للمسلمين إنشاء الله . ولكن أخبرني كيف السبيل لتنشيطك في قلوب الدعاة ؟
الهمة : أهم سبب هو :
أن يعرف المسلم الغاية من خلقه وهدف وجوده وأهمية الدعوة إلى الله تعالى ، وهذا هو الجانب العلمي .
وأن يشتعل قلبه حرقة عندما يرى الفساد وضعف حال المسلمين فيتحرك لنجدتهم وتعليمهم وهذا هو الجانب العاطفي .
فبالعلم والعاطفة يتحرك الداعية دائماً للعمل والبناء .
إبراهيم : وماذا عن الهمة بين الدعاة كذلك ؟!
الهمة : إنها أسرار ومشاكل خاصة ولا أستطيع أن أبوح لك بكل شيء .
إبراهيم : اطمئني ، فإني أمين على حفظ الأسرار ، فأنا أسترها وأستر أني أسترها .
ومستودعي سراً تبوأت كتمه فأودعته صدري فصار له قبراً
الهمة : إذا كنت كذلك ، فسأخبرك ببعض أسراري .
إبراهيم : تفضلي .
الهمة : أن أكثر ما يضايقني من الدعاة أن يتأثر أصحاب الهمة العالية ، بأصحاب الهمة البالية ، فيثبطون من عزمهم ، ويجمّدون في حركتهم .
إبراهيم : وما يضير ذلك ؟! فإنه مما قيل في الأمثال : ( لا يضير السحاب نبح الكلاب ) .
الهمة : هذا صحيح .. ولكن عندما تكون الغالية من أصحاب الهمم الأرضية ، فإنها تؤثر في أصحاب الهمم السماوية ولهذا زعم بعض الأولين ( أن صحبة بليد نشأ مع العلماء ، أحب عليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال )
فانظر كيف أن للصحبة والمحاكاة أثراً !
إبراهيم : وكيف يتحقق ذلك بين مجتمع المسلمين ؟
الهمة : أعني أنه سار اثنان من المسلمين ، أحدهما سماوي الهمة والآخر أرضي فإما أن يحرق السماوي أخاه بنار حركته فيتحرك معه ، أو أن يجمدَّ الأرض أخاه بثلج ركوده أو برودة حركته فيجمد معه .
إبراهيم : وهل تضربين لي مثلاً على الهمة والحركة ؟
الهمة :انظر لنفسك فإنك صاحب همة عالية .
إبراهيم : جزاك الله خيراً ... ولكن أعني قصصاً ومواقف .
الهمة : لك ما طلبت .. فانظر إلى همة موسى عليه السلام في فعل الخير والتحرك له ، وذلك عندما ذهب إلى الفتاتين فقال الله تعالى على لسانهما :{ قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [ القصص: من الآية23] .
قال بعض المسرين : فانظر إلى موسى – عليه السلام – وهو مكدود قادم من سفر طويل ، بلا زاد ولا استعداد ، وهو مطارد ومن خلفه أعداء لا يرحمون ، ولكن هذا كله لا يقعد به عن تلبية دواعي المروءة والنجدة والمعروف وإقرار الحق الطبيعي الذي تعرفه النفوس (فسقى لهما ) .
إبراهيم :الله أكبر إنها لهمة عظيمة ... حتى وهو مرهق ، متعب ، مسافر يتحرك لله تعالى ، إنه لمثل جميل .
ولكن لا أريد مثالاً ،حدث في زماننا هذا .
الهمة : سأخبرك عن قصة أحد أصحاب الهمم العالية ، فقد قال : ( ومرة سألني ابني ( مجاهد ) وعمره بضع سنوات قائلاً : ( بابا متى تتعشى معنا . متى تأكل معنا ...........؟! ) وأنا مشغول يعلم الله بالدعوة في كل الأوقات فالدعوة تتوصل بالعمل والحب واللقاء المتواصل لا يمكن أن تبني الرجال ).
وهكذا الداعية ينبغي أن يكون ذا همة عالية لا يغفل ولا يتوانى وذلك لأن ( غفلة الداعية محنة لأنها صرفته عن نصر ممكن ، يحققه له الجدّ والعمل الدائب ، وعن أجر وثواب أخروي ليس له من مقدمة إلا هذا الجد ) .
إبراهيم : إنها لمواقف جميلة جداً تدل على اهتمام الدعاة بدعوتهم ، وقوة سعيهم لها بهمة عالية .
الهمة : نعم ولهذا قال الشيخ : ( عبد الله علوان ) رحمه الله : ( حين يكون اهتمام الداعية بدعوته ومجتمعه وأمة الإسلام كاهتمامه برزقه وبيته ، وأهله وولده ) .
نقول : ( إن الدعوة الإسلامية قد تركزت في بؤرة شعوره ، وتأصلت في أعماق وجدانه ) .
إبراهيم : ( وهو يسمع أذان الفجر ينادي ) : جزاك الله خيراً على كل حال ... والآن هل لديك كلمة أخيرة توجهيني بها لأنه لم يبق وقت على صلاة الفجر .
الهمة : أحكي لك قصة تنفعك في حركتك وهمتك .
يحكى أن رجلاً جهز ولده بمال ليتاجر به ، وأراد بذلك أن يعده للمستقبل ، فلما خرج رأى في طريقه ثعلباً قد عجز عن جلب قوته ، ففكر من أين يأكل هذا الثعلب ؟ .
وإذا به يرى أسداً قد جاء بفريسة فأكل منها حتى شبع ، ثم رمي بما بقى للثعلب فأكل منها .
فقال ذلك الشاب في نفسه : ولم اتعب والله تكفل بالرزق للعباد ؟ فلما رجع إلى أبيه حكي له ما رأى فقال أبوه : ( أردتك سبعاً تأكل من سعيك الثعالب ، لا ثعلباً تأكل من فتات السباع )
ثم قالت الهمة معقبة :
وهكذا عالي الهمة فإنه يتحرك بسعيه وحركته مع الدعاة إلى الله تعالى ، ولا يعيش هو على حركة غيره .
لا يرضى بالدون
ولا يرضى بالخمول .
ولا يرضى بالركود . الناس ينظرون إليه ، ولا ينظر هو إليهم .
دعاؤه دائماً ( واجعلني للمتقين إماماً ) .
إبراهيم : بارك الله فيك .
وأرجو ألا تقطعي الاتصال بي .
ثم أغلق إبراهيم سماعة الهاتف ...... وقال :
( والهمة طريق لبناء الأمة ) اللهم اجعلني للمتقين إماماً .
**************************************** *****
يوم الأربعاء
تمهل
أخي قبل أن تقدم على عمل من الأعمال فانظر هل تحب أن تكون قد عملته حينما تصير إلى أحد هذه المواطن :
عند مجيء ملائكة الموت لقبض روحك ؟
عند إدخالك القبر ولا تدري أروضة هو من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ؟
عند تطاير الصحف لا تدري أتأخذ كتابك بيمينك أو بشمالك ؟
حوار مع سحابة
الجو حار والشمس محرقة والوقت ظهراً ، بدأ جسمي يغرق في العرق ، بحثت عن مكان أستظل به فلم أجد . التفت حولي فلم أجد أحداً يسير في هذا الوقت .
جاءتني نسمة من الريح باردة فأنعشت جسدي ، نظرت إلى السماء وإذا بسحابة بيضاء كبيرة غطت الشمس فأظلتني ، فقلت في نفسي صدق الله .
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ} ( فاطر: 19- 21 ) .
تابعت سيري وأنا فرح بهذا الظل الذي أكرمني الله به ثم سمعت صوتاً غريباً فرفعت بصري وإذا بالسحابة تخاطبني وتقول : ما هدفك في الحياة يا عبد الله ؟
قلت : أنا مسلم وأحب الخير للناس .
كما أنني داعية ، وأدعو إلى الله عز وجل .
السحابة : كلنا مسلمون ومسلّّمون أمرنا إلى الله تعالى ، ولكن ينبغي أن يكون لك هدف مميز عن الناس .
عبد الله : ولكني لا أحب أن أخالف الناس .
السحابة : لا أعني تخالفهم لمجرد المخالفة ، ولكن الناس اليوم غير الناس .
عبد الله : وماذا تقصدين بذلك ؟
السحابة : ذلك ما قاله عبد الله بن عباس – رضي الله عنه – ( ذهب الناس وبقى النسناس ؟ فقيل له : وما النسناس ؟
قال : الذين يشبهون الناس وليسوا بالناس .
عبد الله : وماذا يقصد ابن عباس – رضي الله عنه - ؟
السحابة : ضعف الدين وقلة الالتزام به فقد ذهب الناس وبقى النسناس يا عبد الله .
عبد الله : إن كلامك جميل .
أخبريني عن حالك وعن حال الناس الذين تمرين من فوقهم ؟
السحابة : لقد تغير الناس كثيراً يا عبد الله .
فأنا أمر عليهم من زمن ببعيد .
عبد الله : وهل تضربين لي مثلاً على ذلك ؟
السحابة : نعم .. ففي قضية الحرص على الصلاة كنت يوماً أظل الصحابي عدي بن حاتم- رضي الله عنه- فسمعته يقول :
( ما دخل وقت صلاة حتى اشتاق إليها ) وقال ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء ) .
( بدأ عبد الله يردد في نفسه : فعلاً ذهب الناس وبقي النسناس ) .
ثم قالت السحابة : وأما في قضية الإخوة والمحبة فقد كنت يوماً أسير في السماء بعد وفاة الزبير بن العوام – رضي الله عنه فرأيت حكيم بن حزام وهو يقول لعبد الله بن الزبير : كم ترك أخي من الدين ؟
قال : ألف ألف (مليون) .
قال حكيم . علي خمسمائة ألف
فهذان مثالاً وفي النفس شيء كثير ولكن اللبيب بالإشارة يفهم .
عبد الله متعجباً : سبحان الله إن الإسلام كان له طعم في نفوسهم .
السحابة : نعم ..... وهذا هو التميز الذي قصدته عندما قلت لك ( ينبغي أن يكون لك هدف مميز ) فأريد من الإسلام أن يجعل منك خلقاً آخر ........ ولهذا قال قيس بن سعد ( سيد الخزرج ) رضي الله عنه .....( لولا الإسلام لمكرت مكراً لا تطيقه العرب : ) .
فانظر أخي رعاك الله إلى موقع الإسلام في نفوسهم .
عبد الله : صدقت والله .
السحابة : ولهذا فأنا أريد منك أن تكون خلقاً آخر تعيش من أجل قضية الإسلام وتحيا بها وتكون في حركة دائمة ودعوة إلى الله تعالى كالشمس .
عبد الله : وما وجه الشبه بين الداعية والشمس .
السحابة : وجه الشبه من ناحيتين :
(1) الأشعة التي يقذفها الداعية فَتًحْيِي قلوباً قد ماتت في الظلام .
(2) إن الشمس إذا غابت جهة المغرب أشرقت جهة المشرق وكذلك ينبغي أن يكون الداعية إذا غاب عن مجتمع أشرق في مجتمع آخر .
عبد الله : يبدو أنك سحابة أدبية ، أريد أن أتعرف عليك أكثر .
السحابة : أنا لست أديبة ، ولكن الواقع أدبني .
وأما عن هويتي ........ فإنا لا تفيدك في شيء .
عبد الله : وهو ينظر إليها محدقاً أخبريني ما أسمك ؟
السحابة : أنا سحابة الرشيد .
عبد الله : ومن هو الرشيد .
السحابة : لقد خرج ( هارون الرشيد ) رحمه الله يوماً فرآني في السماء فقال لي : يا سحابة أمطري حيث شئت فإن خراجك سيرجع إليّ .
عبد الله : وهو يضرب كفاً بكف – ذلك هو الزمان .......
فعلاً ذهب الناس وبقي النسناس .
السحابة : أعتقد أنه لا فرق بين الزمانين .
فالسماء هي السماء . والأرض هي الأرض .
ولكن الناس يا عبد الله ........... الناس .
وبدأت الدمعة الصغيرة تخرج من عين عبد الله وتنحدر على خده الأيمن وهو يقول : ولكن ما العمل وكيف الخلاص ؟
السحابة : كن ( سحابياً ) مثلي .
عبد الله : ولكن الله خلقني بشراً ولم يخلقني سحابة .
السحابة : لا أعني ذلك – ولكن كن سحابياً في صفاتك وأخلاقك ، وفي حركتك وهمتك .
عبد الله مستغرباً : وكيف ذلك ؟
السحابة : أي أن أخلاقك وصفاتك عالية ، وتكون حركتك وهمتك سامية .
فأنا أحيي الأرض بالماء ، وأنت تحيي النفوس بقانون السماء وأنا أسقي الأرض ، وأنت تحذر الناس من يوم العرض .
فكن سحابياً أيها الداعية .
أنا عالية مرتفعة في السماء .
وأنت ترتفع عن الفكر وأهله في السماء .
فكن سحابياً أيها الداعية .
أنا في الصيف أحمي الناس من حرارة الشمس وفي الشتاء أسقي الأرض والنبات .
وأنت كذلك في الصيف والشتاء دائم الحركة ودائم المنافع تكيف نفسك مع الظروف ولا يقيدك زمان أو مكان .
فأنا جسمي كبير وشكلي عظيم ولكني هينة لينة سهلة إذا اخترقني طائر في السماء أو طائر في الجو .
وأنت كذلك هين سهل وهذه من صفات أهل الجنة .
فكن سحابياً أيها الداعية .
فرفع عبد الله يديه إلى السماء وقال :
( اللهم اجعلني سحابياً في همتي وحركتي ودعوتي وديني ...........)
ثم تحركت السحابة وقالت . وكما أنني زينة السماء فكن أنت زينة الأرض !!
**************************************** *******************
يوم الأربعاء
القمار
عندما ترى إنساناً يحمل ورقة نقدية ويرميها في سلة المهملات فإنك لأول وهلة تتصور أن هذا الرجل فاقد لعقله ، فأنت تتفق معي أن العاقل لا يمكن أن يفعل ذلك لأنه يحس بقيمة هذه النقود وفائدتها ...... فلتعلم إذاً أنه يوجد من هذه الفئة أناس كُثُر وممن يتمتعون بكامل قواهم العقلية .
بل ويجدون في ذلك لذة ومتعة .
أليس الذين يجدون في ذلك لذة ومتعة ؟
أليس الذين يلعبون القمار كذلك ........؟
لا بل هم من أعظم من ذلك لأنهم يجمعون بين خسارة المال وعذاب الآخرة ، بين سفاهة الدنيا وعذاب الآخرة . إن الله منحنا هذا المال ليؤدي وظيفة مهمة وليكون لنا زاداً في هذه الحياة الدنيا . فكيف نفرط فيه هذا التفريط ؟!! .
حوار الأمل مع القمر
القمر : السلام عليك أيها الأمل .
الأمل : عليك السلام أيها القمر .
القمر :لقد أشغلت الناس أيها الأمل .
الأمل : وأنت لقد أشغلت الناس بك أيها القمر .
القمر :ماذا يقول الناس عنك في الأرض أيها القمر ؟
الأمل : أصابع اليد ليست واحدة ، فمنهم من يقول : أملي أن أعيش سعيداً وأموت سعيداً وآخر يقول أملي أن أعيش مجاهداً وأموت شهيداً ، ومنهم من يقول أملي أن أكون طبيباً أو عالماً أو مهندساً ، أو ... ، ومنهم من يقول أملي أن أكون غنياً أو تاجراً أو .... ومنهم من يقول أملي أن أكون غنياً أو تاجراً أو .... ومنهم من يقول أملي أن أكون أباً أو أماً ...، ومنهم من يقول أملي أن يرزقني الله ولداً بعد أن رزقه الله بالبنات ...! ومنهم من يقول أملي أن يرزقني الله بنتاً بعد أن رزقه الله بالأولاد ..! ومنهم من يقول أملي أن يرزقني الله ولداً أو بيتاً بعد أن جعلهُ الله عقيماً ..! ومنهم من يقول أملي في الشفاء من الأمراض .. ومنهم من يقول أملي أن يعم السلام في جميع الكرة الأرضية .. ومنهم من يقول أملي أن يعم الإسلام جميع الناس ..... ومنهم من يقول أملي أن أجول حول العالم ... أو يصعد إليك أيها القمر ! ومنهم .... ومنهم .....
القمر : تعلق الناس بك عظيم أيها الأمل ، لكن هل يصلون إليك ؟
الأمل : من جد وجد ومن زرع حصد ، ومن سار على الدرب وصل . وأنت أيها القمر ما هي آمالك ؟
القمر : لقد عشت أرقب الأرض منذ أن خلقنا الله ، وتعاقبت على الأرض أجيال وأجيال ، فأجيال آمالها أحلام ، وأجيال آمالها آلام ! وأجيال تصل إلى آلامها ، وأجيال يحول بينها وبين آمالها الفناء !
ولم أر آمالاً كآمال ذلك الجيل القرآني الفريد الذي عاش في مكة والمدينة مع نبيه محمد r ، ولكن ما هي آمالك أنت أيها الأمل ؟
الأمل : لقد حركت مشاعري ولمست جراحاتي بكلامك أيها القمر ، إني آمل أن يعود جيل مثل ذلك الجيل القرآني الفريد ، فيه أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسلمان وصهيب وبلال وحذيفة وسراقة ..... وغيرهم ، وخديجة وعائشة وجويرية وأسماء وفاطمة وغيرهن .... أملي باختصار أن يعود المسلمون رجالاً ونساءً وشيباً إلى سابق عزهم ومجدهم فهل يتحقق ذلك يا ترى ؟ .
القمر : إن شاء الله .
الأمل : ونعم بالله .
**************************************** ***************
يوم الأربعاء
من السعيد ؟!
لو سألت أي إنسان في هذه الحياة عن أمنيته ، وعما يسعى إليه لقال :( السعادة ) إنها هدف الجميع ومقصدهم . لكن اتحاد الهدف لا يلزم منه اتحاد الوسيلة . وليس كل من قصد شيئاً عرف طريق الوصل إليه . فانظر في حال الباحثين عن السعادة .
فمنهم من يرى أنها في المال والثراء
فمنهم من يرى أنها في المنزلة بين الناس .
فمنهم من يرى أنها في الجاه والسلطان .
فمنهم من يرى أنها في إعطاء النفس ما تصبو إليه من الشهوات والرغبات .
ومنهم ........ ومنهم ........
لكن السعيد هو الذي يتقي الله ويلتزم أوامره فهو يحصَّل خيري الدنيا والآخرة
ولست أرى السعادة جمع مالٍ لكن التقيََّّ هو السعيد
حوار مع لحظة
خرجت يوماً امشي على قدمي حتى وصلت شاطئ البحر . وبينما أنا أتفكر في عجيب خلق الله – هذا البحر – إذ سمعت هاتفاً ينادي . فالتفت فلم أر أحداً وما زال الصوت ينادي ويرتفع حتى قلت من أنت أيها الصوت ، فرد عليَّ قائلاً : أنا اللحظة .
قلت : ومن تكونين أنت أيها اللحظة ؟
اللحظة : أنا بنت من بنات الوقت ، وإخوتي الدقيقة والساعة واليوم والشهر والسنة
قلت : مرحباً بك ، وماذا تريدين ؟
اللحظة : أريدك أن تقص على الشباب قصة فيها عبر .
قلت : تفضلي .
اللحظة : كانت لي قصة مع عبد الله سأتركه يقصها لكم بنفسه ... يقول عبد الله : ( جلست يوماً بين يدي الله تعالى نادماً على أوقات قد سلفت من عمري واستدعيت لحظة من لحظات حياتي ..... )
فقلت لها : أريدك أن ترجعي إلي حتى استغلك بالخير .
قالت : عن الزمان لا يقف محايداً أبداً ! .
قلت : يا لحظة .. أرجوك ارجعي . فكم من اللحظات قد ضيعتها بعدك ؟
قالت : لو كان الأمر بيدي لرجعت ، ولكن لا حياة لمن تنادي . وقد طويت صحائف أعمالك ورفعت إلى الله .
قلت : وهل يستحيل رجوعك إلى وأنت تخاطبيني ؟
قالت : إن اللحظات في الحياة إما صديقة ودودة تشهد لصاحبها ، وإما عدوة لدودة تشهد عليه ، وأنا من اللحظات التي هي من أعدائك والتي تشهد عليك يوم القيامة ، فكيف يجتمع الأعداء ؟!!
قلت : يا حسرتى على ما ضيعت من عمري من لحظات !!! ولكني أرجوك ارجعي إلى حتى أعمل فيك عملاً صالحاً فيما تركت ، وسكتت اللحظة ....
فقلت : يا لحظة !! ألا تسمعيني ؟؟ أرجوك .
قالت : يا غافلاً عن نفسه ، يا مضيعاً لأوقاته ... ألا تعلم أنك من أجل إرجاع لحظة قد ضيعت لحظات من عمرك ، فهل عساك أن ترجعها كذلك ؟
**************************************** ******************
يوم الأربعاء
للعقلاء
قد تسمع عن المغني الفلاني والمغنية الفلانية ، فأنت لست بحاجة أن أبين لك تحريم ذلك فقد قال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [ لقمان:6 ] .
وقال النبي r : (( ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف )) [ رواه البخاري ]
ولكن ألست معي أن الأغاني بمجموعها تدور حول الحب والتعلق بالمحبوب وتحثُ على الزنا ؟ .
حوار مع الوقت
قال رسول الله r : (( لا تزال قدما عبدٍ حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن علمه ما فعله به ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن جسمه فيم أبلاه ....)).
السائل : أيها الوقت العزيز ، هل يمكن أن نأخذ منك قليلاً ؟
الوقت : أنا حريص على نفسي ولا أستطيع التفريط بشيء مني إلا في علم نافع أو عمل صالح أو مصلحة راجحة .
السائل : أنت شخصية مهمة والناس في شوق إليك ، نريد بضعاً من الدقائق فقط .
الوقت : لا بأس ، ولكن بسرعة واختصار ودون تكرار .
السائل : عرف بنفسك ؟
الوقت : أعجب مخلوقات الله . أقسم بي ربي في كتابه . أنا الثواني والدقائق والساعات والأيام والسنين ، أنا الليل والنهار .
السائل : ذكر لنا شيئاً من صفاتك .
الوقت : إذا ذهبت لا أعود ، لا أقدر بثمن ، ولا بديل لي .
السائل : ماذا قال عنك الله في كتابه الكريم ؟
الوقت : قال تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [ النحل:12].
السائل : وماذا قال عنك الرسول r ؟
الوقت : قال رسول الله r : (( لن تزال قدما عبدٍ حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن علمه ماذا عمل به ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه )).
السائل : هل أنت من ذهب ؟
الوقت : يقولون ذلك عني ، وهو غير صحيح ، فأنا لا يمكن أن أعوض لا بالذهب ولا بما هو أغلى من الذهب .
السائل : ولماذا ؟
الوقت : لأني أنا الحياة ألم تسمع ( الوقت هو الحياة ) .
السائل : وماذا عنك أيضاً ؟
الوقت : قال الحسن البصري ( وقد كان يعتني بي اعتناءً فائقاً ) : ( اليوم الذي تطلع فيه الشمس ثم تغيب لا يعود أبداً ) وهو صادق . وقال أحد الحكماء ( الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ) ، وقال يحيى بن هبيرة شيخ ابن الجوزي : ( وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة ، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم وهو يمر مر السحاب فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره وغير ذلك ليس محسوباً من حياته وإن عاش فيه عيش البهائم ، فإذا قطع وقته خير ما قطعه به النوم والبطالة فموت هذا خير من حياته ) .
السائل : من هم أصدقاؤك ؟
الوقت : كل من اهتم بي ويحرص عليَّ فهو صديقي ، وخيرهم نبينا محمد r .
**************************************** *****************
يوم الأربعاء
هدية
إلى من صبر على ترك المحرمات وجاهد نفسه في فعل الواجبات .
إلى من كف بصره وقد أطلق الناس أبصارهم في الحرام .
إلى من قهر شهوته وقد تفتحت أمامه الأبواب .
إلى من رعى أولاده وصبر على تربيتهم .
حوار مع العائلة القاتلة (المخدرات )
من أعماق الظلام خرجت صرخات متتالية ، اهتز لها السكون ، وتفتحت لها العيون ...... إنسان يصر ... بقوة ... بقوة جداً . صرخات متتالية ... آه .. آه ... أريد حبيبتي .. وروح قلبي .. أريد قلبي ... أريد حياتي .. آخ .. آخ ..
من أنت أيها الصارخ في جنح الظلام ؟!
ولماذا هذه الصرخات وتلك الصيحات ؟! ومن هي حبيبتك ؟!! تكلم .
لم يستطع الصارخ الكلام .. إنه لا يعرف من قاموس الكلمات سوى .. آه .. آخ ..! وفجأة .. جاءت همسة ، بل همسات في هدوء وسكنات وسمع صوت رقيق يقول : أنا هنا .. أنا هنا ..خذني .. ابلعني .. ضعني تحت جلدك أو في وريدك . وفي سرعة البرق، أطاع الصاروخ الصوت، وهدأ الصراخ ورحل الأنين! وبعدد فترة لم تطل.. عاد الصارخ.. عاد العويل .. عاد بالارتطام بالأرض والجدار ولو استطاع الارتطام بالسقف لفعل !! ويا عجباً ظهر الصوت الهادئ مرة أخرى : أنا هنا يا صغيري.. خذني.. وتكرر هذا المشهد مرات ومرات..والصوت الصاروخ يذبل ويموت.. والصوت الهادئ يضحك ويسخر، كأنه يقول له : وداعاً يا صديقي حان موتك ، ولا بد أن أفارقك ، فغيرك ممن يحبون هذا النوع من الموت في انتظاري .. وداعاً . ويعود الصراخ مرة أخرى .. ولكنه أقوى وأشد وأعتى .. والصارخ ينتظر الصوت الهادئ .. ولا مجيب.. آه.. آه.. آخ ولا مجيب سأموت .. ولا مجي .. ثم انقطع الصراخ ، وقال الناس ( كان صارخ يقول آه ..آه ..آه ثم مات ) .لحق قلمي
بالصوت الهادئ : أيها الصوت قف قليلاً ، أريد الحديث معك .
الصوت : هل أنت شرطي .
القلم : لا أنا صديق يريد أن يتعرف عليك .
الصوت : أهلاً بك ، فأصدقائي كثيرون .
القلم : عرفني بنفسك .
الصوت : أنا المخدرات .
القلم : ومن ذلك الصارخ .
الصوت : لعلك تقصد ذلك الهاتف .. إنه أحد أصدقائي الأوفياء .
القلم : وكيف تعرَّف عليك ؟
الصوت : قصته طويلة سأقصها لك وللتاريخ ، فاسمع يا تاريخ !
القلم : تفضل .
الصوت: كان الصارخ فتى يافعاً، نشيطاً قوياً، يعمل بجد واجتهاد،كان لا يعرف عالم الصراخ.. كان هادئاً..كان بعيداً عني
القلم : وكيف تعرف عليك ؟ وأخوته كذلك .
القلم : وهل تزوج ؟
الصوت : كان ينتظر الزواج ، ينتظر البيت الهادئ ، ينتظر من يناديه ( أبي ) ويسمع في بيته أمي .... أبي ... أمي .... أبي!
القلم : وكيف وأين عاش ؟
الصوت : عاش مع الصارخين أمثاله ، ليله صراخ ونهاره كفاح وبحث عني .
القلم : أريد أن أتعرف عليك أكثر ؟
الصوت : هل تريد أن تكون من الصارخين ؟
القلم : لا معاذ الله .
الصوت : نحن عائلة كبيرة ، فينا الصغير وفينا الكبير ، فينا الضعيف وفينا
القوي ... نحن عائلة الأفيون والمورفين ( إله الأحلام عند الإغريق ) .
أجدادنا الكبار يقال لهم : الهيروين ( كلمة لاتينية تعني البطولة ) والكوكائين والحشيش . وآباؤنا يقال لهم : الغول- التبغ- الكائفين- القات- البتل- الكافا. وأبناؤنا يقال لهم: المهدئات- المقويات- المخيلات- المهلوسات. وأقاربنا: كل من منا فهو منا . وضحايانا : بالآلاف ... بل بالملايين .
القلم : إذن أنتم قتلة .. مجرمون .. فقال الصوت : نعم نحن قتلة .. مجرمون .. لكننا لا نؤذي الطيبين لا نؤذي إلا من يقترب مني .
الصوت : عن طريق صارخ سابق لعله لقيه في أيام الاختبارات يعلوه الإرهاق من المذاكرة فقال له : لماذا تعيش في عالم الإرهاق وأنت شاب. خذ هذه الحبة. يذهب عنك الإرهاق. إنها حبة واحدة فقط أو لعله لقي ذات يوم مهموماً من أمر ما.
فقال له : خذ هذه الحبة فيذهب عنك الهم والحزن . إنها حبة واحدة فقط أو لعله لقيه يوماً غارقاً في حالة عصبية، فقال له: خذ هذه الحبة المهدئة تهدأ أعصابك ويرتاح بالك . إنها حبة واحدة فقط أو لعله لقيه يوماً غارقاً في التفكير في مشكلة ما ، أشغلته وأرقته فقال له : خذ هذه الحبة وانتقل إلى عالم الأحلام بعيداً عن المشاكل والأوهام . إنها حبة واحدة فقط .
القلم : ثم ماذا حدث بعد ذلك ؟
الصوت : أخذ المسكين الحبة ، فشعر بهدوء وراحة البال ، وهدأت أعصابه ... هدوء مؤقتاً ... وراحة بال مؤقتة ... وسعادة زائفة .
القلم : ثم ماذا ؟
الصوت : ثم أخذت الحبة تنادي أختها الأخرى والأخرى تنادي الأخرى . وفي المقابل يدفع ليبلع ، يقطر من جيبه المال ويقطر من قلبه الدم .
القلم : ثم ماذا ؟
الصوت : ترك الدراسة ... أصبح فاشلاً .. يركض خلفي .
القلم : وأهله ؟
الصوت : كان والداه يحبانه وكان يحبهم ، فأصبح لا يطيقهم ولا يطيقونه !
يوم الأربعاء
للمسافرين
لو قيل لك :
لو قيل لك : إنك على موعد في الساعة الفلانية مع مسئول ما فإنك حتماً ستجد نفسك قبل الموعد بوقت كافٍ قد حضر ... بل وها أنت تحضر إلى المطار قبل موعد الإقلاع . التزاماً بهذا الموعد وحرصاً على عدم فواته .... كيف والله عز وجل قد حدد لك مواقيت ومواعيد محددة لإقامة الصلاة وقد سهل لك الأمر فتصلي حيثما أدركتك الصلاة ، فلمَ لا تُلزم نفسك برعاية هذا الموعد .... أليس الله أولى بالرعاية والحفظ .
حوار مع سجادة
لا شك أن كل ابن آدم ينام ، وكل إنسان يأوي إلى فرشه ليلاً ، ولكن هل تعرفون كيف نومتي تلك الليلة ؟
كنت نائماً في ليالي الشتاء الباردة ، من بعد نصب وتعب من مشاغل الدنيا ، وما أكثرها .
وقد استلقيت على فراشي ، وغرقت في نوم عميق جداً ، فاستيقظت قبيل الفجر من عطش شديد ألم بي ، فقمت لأشرب الماء فسمعت أنيناً يخرج من الأرض ، تلفت حولي فذهب الأنين ، ثم ذهبت وشربت الماء فعدت إلى الفراش ، وإذا بالأنين يعود مرة أخرى ، وفي هذه المرة كان الأنين قوياً وكأنه صوت بكاء ، فتحسست الأرض بيدي ، حتى أمسكت ( سجادتي ) فسكت قلت مستغرباً : أأنت التي تأنين يا سجادتي ؟!
قالت : نعم .
قلت : لماذا ؟!
قالت : لقد أيقظك عطشك وشربت من الماء حتى ارتويت وأنا بحاجة إلى الماء ولا أجد من يرويني !!
قلت : وهل تريدني أن أحضر لك كأساً من الماء !!
قالت : لا ، ليس هذا الماء الذي يرويني ، إنما يرويني دموع العابدين التائبين .
قلت : ومن أين لي أن أحضر لك بهذا النوع من الماء ؟
قالت : وهذا هو سبب بكائي فقم يا عبد الله وصل لله ركعتين في ظلمة الليل ، حتى تنير لك ظلمة القبر ، والجزاء من جنس العمل ، ولم يبق من الوقت إلا القليل وبعدها يؤذن لصلاة الفجر .
قالت : يا عبد الله قم لصلاة الفجر ، فإنها حياة للقلب والروح ، وقد حان موعد الأذان ليردد ( الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ) وأنت تستجيب لنداء الدنيا كل يوم في الليل والنهار . ولا تستجيب لنداء العزيز القهار .
قلت متضايقاً : دعيني أنام يا سجادتي .. فأنت تشاهديني كل يوم ، لا أعود إلى المنزل إلا وأنا مرهق متعب .. ثم أخذ اللحاف ووضعه على صدره فشعر بالدفء واستسلم لسلطان النوم .
قالت السجادة : يا عبد الله . وهل تعطي للدنيا أكثر مما تعطيه لدينك ؟
قلت بلهجة تهكمية : أسكتي يا سجادتي . أرجوك لا تتكلمي .. فإني متعب ومرهق . أريد أن أنام .
فسكتت السجادة برهة متأثرة بما قال عبد الله وقالت بصوت حزين: آه لرجال الفجر آه لرجال الفجر !! آه لرجال الفجر!!
ألم تسمع قول النبي r : (( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر والعصر )) .
وقال عليه الصلاة السلام : (( من صلى البردين دخل الجنة )) .
وقال : (( بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة )) . وقال أيضاً : (( ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً )) .
فانتبه عبد الله من غفلته وقال : فعلاً إن صلاة الفجر مهمة .
السجادة : قم يا عبد الله قم .
قال : غداً أبدأ إن شاء الله ...... ولكن اتركيني اليوم لأنام فإنني مرهق .
السجادة : وهي متحسرة ( من لم يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه في جميع الأحوال ) .
ثم قالت : ستنام غداً في قبرك يا عبد الله ، وستذكر كلامي ونصحي ... ثم تركته السجادة ، ونام عبد الله ، ولكن ! كانت أطول نومة ينامها في حياته ، فقد من تلك الساعة . فأنشدت السجادة حين بوفاته قائلة :
يا من يعد غدا لتوبته
المرء في عيشه على أمل
أيام عمرك كلها عداد
أعلى يقين من بلوغ غد
ومنيته الإنسان بالرصد
ولعل يومك آخر العدد
**************************************** ***************
يوم الأربعاء
ممنوع دخول المسلمين
( المسارح ، الأماكن المختلطة ، المقاهي ( السينما ) ......)
ولو فكرت بالدخول فقبل ذلك اسأل نفسك هذه الأسئلة :
هل ترى فيها الوجوه الطيبة الخيرة التي تذكرك بالله عز وجل ؟! .
هل تحب أن يأتيك الموت وأنت فيها ؟!
وهل إذا دخلها ابنك تعلم فيها برك وطاعتك ؟!
وهل إذا دخلها ابنك تعلم فيها الفضيلة وحسن الخلق ؟! .
وهل تحب أن يكتب في صحيفة عملك أنك دخلت هذه الأماكن ؟!
لا تنسى أن عن يمينك ويسارك من يكتب جميع أعمالك .
حوار مع الظل
تلفت حولي فلم أجد ظلي !!
رفعت بصري إلى السماء ، وإذا بالشمس في كبد السماء ، ولا يوجد أي أثر لغيم أو سحاب ، ثم تلفت حولي فلم أجد ظلي .
سبحان الله !! أين ذهب ، لقد كان يسير بجواري ...
رجعت إلى الوراء باحثاً عن ظلي ، فوجدته بقرب صخرة .
قلت له أين أنت يا ظلي ؟
لماذا لم تتابع السير معي ؟
الظل : لقد مللت من السير معك .
قلت : وما السبب ؟!
الظل : لأنك ترغمني على أماكن لم أخلق لها ، وإنك تفعل أعمالاً في ظاهرها الإخلاص وفي باطنها الرياء .
( يا ليتني لم أكن ظلك )
قلت : أنك تتمنى فراقي ، والناس يتمنون لقائي ، قلت أخطأت الحكم يا ظلِّي .
الظل : والله لم أخطأ .. فالناس يعرفون مظهرك ، وأنا أعرف مخبرك وجوهرك .
قلت : وما قصدك من هذا الكلام ؟
الظل : قصدي ، أنت تعرفه جيداً فإن ( جوهر الأخلاق تفضحها المعاشرة ) والناس لا يعاشرونك مثلي ( والخيل أعرف بفرسانها ) ، ولو نظرت إلى قلبك لرأيت فيه السواد .
قلت : وما سبب سواده :
الظل : هو عدم الإخلاص في الأعمال ، والرياء في المعاملات .
قلت : وهل يؤثر هذا الخلق في القلب إلى هذا الدرجة ؟
الظل : نعم ، فإن الإخلاص هو أصل العمل ، حتى قيل في الأمثال ( قل لمن لا يخلص لا تتعب ) ، وقد أمر الله تعالى به بقوله : {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [ البينة:4] .
قلت : وهل تضرب لي مثلاً على ذلك ؟
الظل : لا بأس ، ولكن تدبر ما قول :
( إن الشجرة إذا تبين عروقها ، انقطعت عن شربها للماء ، وجف ورقها ، ولم تثمر ، وذهب قدر قيمتها ... أما إذا غاصت عروقها ، كثر شربها فاخضر ورقها ، وطاب ثمرها فإنه يثمر قدر قيمتها ...)
وهكذا يا صاحبي ....... إذا كان عملك خالصاً لله تعالى ، له أصول في شرع الله تعالى ، فإنه يثمر بما يحمد عقباه .
قلت : ولكن هذا الأمر شديد على نفسي !!
الظل : صدقت ، لأن النية من أكبر الأبواب التي يدخلها الشيطان ، فيفسد على المرء عمله ، ولهذا قال سفيان – رحمه الله – ( ما عالجت شيئاً أشد على من نيتي )
قلت : ولكن الناس لا يعرفون أنني مراء .
الظل : وهل أنت ممن يتعاملون مع الناس ، أم مع رب الناس ؟ فالله تعالى لا تخفى عليه خافية ( فالكل مكشوف – عنده القيامة – مكشوف الجسد ، مكشوف النفس ، مكشوف الضمير ، مكشوف العمل ، مكشوف المصير ، وتسقط جميع الأستار التي تحجب الأسرار وتتعرى النفوس تعري الأجساد )
فلا ينفعك الناس يومئذ يا صاحبي .
بل أخلص في عملك ، واخف عبادتك ، حتى لا يسرق الشيطان حسناتك ، كما كان يفعل بعض الصالحين ( وقد صام أربعين سنة لا يعلم به أحد ، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان ، فيتصدق بهما ويصوم ، فيظن أهله أنه أكلهما ، ويظن أهل سوقه أنه أكل في بيته .
قلت : لقد غيَّرت نظرتي لنفسي يا ظلِّي .
ولكن ما علامات المرائي ؟
الظل : استفت نفسك ، فأنت الخبير بها .
قلت : لا تكن قاسياً على يا ظلي ، وأخبرني فإنني عزمت على الإخلاص . إن شاء الله .
الظل : قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه :
للمرائي ثلاث علامات :
(1) يكسل إذا كان وحده .
(2) وينشط إذا كان مع الناس .
(3) ويزيد في العمل إذا أثني عليه وينقص إذا ذم .
قلت : يا حسرتي ... لقد ضاعت أعمالي .
الظل : جدد العزم ، وجدد العهد مع الله تعالى ، واسأل الله دائماً الإخلاص في العمل ، حتى يبارك لك الله في أعمالك كما بارك لعمر بن عبد العزيز رحمه الله .
قلت : وكيف بارك الإخلاص في شخصية الخليفة الخامس ؟!
الظل : لقد وصف هشام بن عبد الملك ابن عمه عمر بن عبد العزيز الأموي – رحمه الله – فقال : ( ما أحسب عمر خطا خطوة قد إلا وله فيها نية ) ولذلك استطاع عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – في أقل من سنتين تقويم اعوجاج جيلين ، وعلى داعية الإسلام اليوم ألا يستكبر عظم الانحراف الذي عمّ بلاد الإسلام ، فإنه إن قرن كل خطوة بنية مثل الراشد الخامس سيهزم حزبين بإذن الله في أقل من سنتين ) .
قلت : بعد تفكير وتدبر : عن كلامك ليحرك الجبل من مكانه ، وإني سأتحرك (بنية ) إن شاء الله .
الظل : فابدأ يا صاحبي بمجاهدة نفسك على الإخلاص ، وتحرك بمجاهدة نفسك على الإخلاص ، وتحرك بنية قبل أن يحرقك ظلك .
قلت مستغرباً : ماذا تقول ؟!
وهل الظل يحرق ؟
الظل : نعم يا صاحبي .. لأن هناك نوعين من الظل :
(1) ظل مذموم : وهو في قول الله تعالى : {لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} [ المرسلات:31]
( أي انطلقوا إلى ظل دخان جهنم المتشعب ( لا ظليل ) أي لا يقي حر ذلك اليوم ( ولا يغني من اللهب ) أي ولا يدفع من حرِّ النار شيئاً ) .
(2) وظل محمود : وهو ظل الجنة لقول الله تعالى: { فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ} [ الواقعة:28- 31] .
( والجنة كلها ظل لا شمس فيها ) .
فاختر أي الظلين شئت يا صاحبي .
وقل لمن يخلص لا تتعب .
وتراب الإخلاص خير من زعفران الرياء .
يوم الأربعاء
فيم التنافس ؟
إن مما جبل عليه الناس في هذه الدنيا محبة التنافس والتفوق على الآخرين . لكنهم وإن اشتركوا في هذه الغريزة إلا إنهم يختلفوا في وسائل إشباعها تبعاً لاختلاف نظراتهم للحياة واختلاف أنماط سلوكهم واتجاهاتهم ... فمنهم من يتنافس في كثرة الأسفار .. ومنهم من ينافس في شراء المساكن في بلاد المعصية .. في شراء أفضل عطور باريس .. في لبس آخر (( الموضات)) ... في نزع الحجاب .... في التمتع بسائر المعاصي ..... وهناك من علت همته ، وسمعت نفسه ، وقويت إرادته فأصبح ينافس في كسب رضى الرحمن ، في جنة الخلد ، في رؤية الرحمن ، في العيش في دار الأبرار مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ... قارن بين هؤلاء وهؤلاء وأصدر حكمك ! وابحث عن مكانك مع أي الطوائف أنت ؟
حوار مع صديق قاتل
السيجارة : قد تستغرب يا صاحبي عندما أكتب إليك هذه الرسالة ، ولكن السيل قد بلغ الزبى ، فخذها نصيحة من قاتلة ، واسمح لي بأن أكون صريحة معك إلى أبعد الحدود . لو قلت لك : هل تحبني من قرارة قلبك ؟
المدخن : لا طبعاً ولكنها الشهوة والهوى .
السيجارة : ألا تعتقد بأني مصيبة وتود الخلاص مني ؟
المدخن : أتمنى الخلاص منك بسرعة ولكن !
السيجارة : ألا تعلم أني أضر بصحتك ؟
المدخن : أعلم ذلك جدياً ، فأنت تتلفين الكبد والرئتين والقصبة الهوائية وتسببين مرض السرطان وغير ذلك .
السيجارة : ألا تعلم أني أضيع لك مالك ؟
المدخن : أنت تحرقين مالي ... أنت تنهبين مالي ... أضيق على والدتي ، ووالدي ، وإخواني وزوجتي وعيالي بسببك أنت !.
السيجارة : ماذا استفدت مني ؟ وماذا خسرت ؟
المدخن : استفدت نشوة ، وخسرت كل شيء ..... مالي ... صحتي ..... وأهلي .
السيجارة : ما رأيك برائحتي ؟
المدخن : كريهة .
السيجارة : كم تصرف يومياً عليّ ؟
المدخن : 10 ريالات أو 8 ريالات أو 6ريالات أو 4ريالات أو ريالين .
السيجارة : أنت تصرف سنوياً 3600ريال أو 2880ريالاً أو 2160ريالاً أو 1440ريالاً أو 720ريالاً على الأقل . أما إذا كنت تصادقني منذ 10 سنوات فأقول لك بأنك قد صرفت بمعدل 21600 ريال !
السيجارة : هل تسميّ عند البداية بي ؟
المدخن : طبعاً لا ( غير معقول ) .
السيجارة : هل تحمد الله عند الانتهاء مني ؟
المدخن : طبعاً لا ( مستحيل )
السيجارة : إذا انتهيت مني أين تضعني ؟
المدخن : تحت قدمي طبعاً أو أحذفك بعيداً .
السيجارة : يا صاحبي .. تنفق علىَّ مالك وتحرم أهلك وعيالك منه ، ولا تسمي عند البداية ولا تحمد الله عند النهاية وترميني تحت قدميك ... ما رأيك ؟ أهكذا يتصرف العقلاء ؟ ما رأيك لو تتركني ؟
المدخن : لا , لا, لا, لا, لا, لا , لا, لا, لا أستطيع !
السيجارة : ....... ولكنك تتركني في نهار رمضان حتى المغرب .
المدخن : لأني صائم تركتك .
السيجارة :إذن فأنت تستطيع أن تتركني لكن إرادتك ضعيفة وعزيمتك واهنة ... وأنت مسكين إذا تركتني سأفقرك ، سأنغص حياتك ، سأمرضك ، سأقتلك عاجلاً أو آجلاً .
**************************************** **************
يوم الأربعاء
ممنوع الاقتراب
هل رأيت جناية أعظم من أن يجني الإنسان على عقله حتى يصبح دون عقل ويصبر كالحـ.....
أخي ساعدني في البحث عن وصف ينطبق على هذا الرجل ......
وليكن نصب عينيك دائماً قول الله تعالى :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة:90- 91] .
وقال r (( لا يدخل الجنة مدمن خمر )) ، وقال r (( من شربها في الدنيا لم يشربه في الآخرة ))
وقال الشاعر :
واهجر الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل
حوار مع الدنيا
وبينما كنت أجلس وحدي ، تمثلت الدنيا أمامي !!
قالت الدنيا : ماذا تريد يا عبد الله ؟ ها أنا ذا أمامك .
قلت وأنا متأسف : إنه ليحزنني أني أحبك ، وأهواك ولا أستطيع أن أتركك .
الدنيا : إن هذا لشعور طبيعي ، ومن ادَّعى أنه لا يحبني فهو كاذب ، فأنا من خلق الله تعالى ، وأنا محبوبة إلى النفوس .
عبد الله : وهل أنا منهم ؟
الدنيا : نعم ، ولكن فيك صفات طيبة .
عبد الله : وكيف أعرف حقيقتك ؟!
الدنيا : من قول الرسول r : الدنيا حلوة خضرة فقد وصفني النبي r : (( بأني حلوة خضرة ، ولكني بالنسبة للمؤمن سجن له )) لقوله عليه السلام (( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر )) .
عبد الله : ولكني أعرف بعض المؤمنين يعيشون في نعيم ورفاهية !!
الدنيا : ليس المراد بالسجن هو السجن الحديدي – الذي تفهمه – وإنما هو التقييد بما أمر الله ، وما السجن إلاَّ قيد .
عبد الله : الله إنه لمعنى أدبي جميل . لقد فهمت الآن .
ولكن ما سبب تسميتك بالدنيا ؟
الدنيا : لو علم الناس معنى اسمي لما فتنتهم زينتي . إن اسمي له معنيان .
(1) من الدنو : أي قريبة الزوال والانتهاء .
(2) ومن الدناءة : أي القبح إذا ما قارنتني بالآخرة .
عبد الله : وكيف أتعامل معك حتى لا أفتن ؟!
الدنيا : عن هذا سؤال خطير ، تجعلني أبوح بسر من أسراري . لأني أصطاد الناس أحياناً بالأموال وأحياناً بالنساء وأحياناً بالمناصب وكل ذلك من زينتي ، والزينة من صفاتها أنها مؤقتة ، وهل رأيت يوماً زينة عرس دائمة ؟ أو زينة عروس دائمة ؟!
عبد الله : إذن سوف أعتزلك تماماً حتى أنجو .
الدنيا : ليس هذا الذي أردت . ولكن ينبغي أن تتعامل معي بحذر حتى لا تنسى نصيبك منها ، وتعيش متزناً كما أمرك الله تعالى .
عبد الله : وبما توصيني ؟
الدنيا : أوصيك بتذكر الله تعالى دائماً :
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً} [ الكهف:45] .
وإن كنت تحذرني مرة فاحذرني بعد اليوم ألف مرة .
عبد الله : لا أظن أنك ستفتنيني بعد ما تصارحنا !
الدنيا : ( قالوا للغراب مالك تسرق الصابون ؟
قال : الأذى طبعي ) .
وأنا أقول لك عن الفتنة طبعي ، فاحذر أن تكون من عشاق الدنيا .
واحذر أن تكون جيفة ليل وطرب نهار .
ثم اختفت الدنيا فجأة .
فأخذ عبد الله ينادي .... يا دنيا ... يا دنيا .. فلم يجبه أحد .. ثم طأطأ رأسه وقال : الحمد لله الذي وفقني لفهم حقيقة الدنيا ثم أنشد :
إذا كنت أعلم علماً يقيناً بأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون ضنيناً بهـا واجعلها في صلاح وطاعة
/ فائدة
/ حوارات مؤثرة
يوم الأربعاء
فرصة لا تعوض
قالr : (( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن .......... ودعوة المسافر )) وقال : (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء )) [ رواه مسلم ] . فقد اجتمع لديك سببان من أسباب إجابة الدعاء السفر وحال السجود ، فاحرص على الدعاء وأنت ساجد بخيري الدنيا والآخرة .
حوار مع الغفلة
دخلت شرفة مكتبي فوجدت كتاباً ملقى على الأرض .... نظرت مستغرباً ومتسائلاً !! من الذي وضعه هنا ؟! إنني حريص على ترتيب مكتبتي .
فمن الذي رماه على الأرض ؟! هل سقط هو بنفسه ؟! أم أن شخصاً عبث بكتابي ؟! مددت يدي مرة أخرى لتناول الكلمة فقالت : لا تمسكني ! نظرت إليها مستغرباً . وإذا بها كلمة ( الغفلة ) .
قلت : أكلمة تتكلم ؟!!
قالت : نعم .... إذا كثرت الغفلات نطقت الكلمات .
قلت وما قصدك .
الغفلة : أعني أن هناك ضربين للغفلة عامة وخاصة، فأما العامة فهي غفلة الكفار عن الإسلام، وأما الخاصة فهي التي تخصك.
قلت : وما هي ؟! .
الغفلة : هي غفلتك وغفلة بعض المسلمين عن المعاني الإيمانية فإنكم قليلو المراقبة ، قليلو المجاهدة، قليلو المحاسبة، قليلو التوبة.
قلت : نعم كلامك صحيح ، فأنا قوي من الناحية الثقافية إلا أنني ضعيف من الناحية الإيمانية ، وأعيش في غفلة . فما السبب يا ( غفلة ) ؟!
الغفلة : السبب واضح ، فمراقبة الغافلين هي السبب ، لأنهم يجملون لك القبيح ، ويزينون لك السيئات ، ولهذا نهى الله تعالى عن صحبتهم وطاعتهم بقوله تعالى : {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}[الكهف: من الآية28] أما من جاور الكرام فقد أمن من الإعدام .
قلت : وكيف تتحقق ( الغفلة القلبية ) ؟
الغفلة : ( حين يتجه الإنسان إلى ذاته ، وإلى ماله ، وإلى أبنائه ، وإلى متاعه ولذائذه وشهواته ، فلم يجعل في قلبه متسعاً لله).
عند ذلك تتحقق الغفلة القلبية والتي نهى الله عن اتباع من كان قلبه غافلاً بقوله : {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا } [الكهف : من الآية28]
قلت : وهل تظنين أن مرافقة أهل الغفلة له أثر ؟!
الغفلة : اعلم يا عبد الله ( أن الدخان وأن لم يحرق البيت سوده )
قلت : إنه لمثل جميل ، ولكن ما مظاهر الغفلة الإيمانية في القلب ؟
الغفلة : تجد الغافل لا يفرح إذا ما اختلى بالله عز وجل . وتجده لا يأنس ولا يضرب لذكر الله تعالى وقراءة كتابه . وتجده لا يشتاق للنظر إلى وجه الله عز وجل . ولهذا قال الله تعالى : {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف:205] .
قلت متحمساً : نعم هذه هي مشكلتي فإنني اعتدت على ذلك ، فلا آنس بالخلوة مع الله تعالى وكثرة ذكره .
ثم عاد فقال : ولكن أريد منك أن تضربي لي مثالاً على أثر الغفلة في حياتي حتى أزداد فهماً وقناعة .
الغفلة : هب أنك ضعفت في صحراء قاحلة ، ونفذ طعامك وشربك حتى كدت تموت جوعاً ، واستسلمت لشبح الموت ، وبينما أنت في انتظاره ، رأيت قافلة بعيدة ، فقفزت قائماً ، وأسرعت للحاق بها ، وبينما أنت تجري دخلت شوكة في قدمك فنظرت إلى أسفل ، ثم رفعت بصرك وإذا بالقافلة قد اختفت عن ناظريك .
قلت : وأين معنى الغفلة هنا ؟
الغفلة : النظر إلى أشواك الدنيا يا عبد الله
قلت : وما أشواك الدنيا ؟
الغفلة : هي التعلق بالدنيا ، وميلان القلب إلى النساء والمال والمنصب والزينة وتقديمها على حق الله تعالى ، فحينما تتحقق الغفلة بأنواعها المختلفة من غفلة القلب أو اللسان أو الأذان أو العين ، يكون المرء من أهل البلاء .
قلت : لقد تذكرت جملة قد قرأتها منذ زمن ، وهي قول لأحد العارفين حين قال : إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية . ثم قال : أتدرون من هم أهل البلاء ؟ هم أهل الغفلة عن الله سبحانه .
الغفلة : نعم هذا صحيح ( فطوبى لمن تنبه من رقاده ، وبكى على ماضي فساده ، وخرج من دائرة سداده ، عساه يمحو بصحيح اعترافه وقبيح اقترافه قبل أن يقول فلا ينفع ، ويعتذر فلا يسمع ) فالتفتت الغفلة إلى عبد الله وإذا بعينه تذرف دمعاً . فقالت له : ( ربما عثرة تعتري المسلم في طريقه دلته على تقصير في الطريق فيزداد عملاً وتقوى ) ، ثم قالت : ولكني أبشرك يا عبد الله فليس كل غفلة محمودة .
قلت : وهل هذا يعقل ؟!
الغفلة : نعم وقد تحدث عنها مطرف بن عبد الله – رحمه الله – حين قال : ( لو علمت متى أجلي لخشيت على ذهاب عقلي ، ولكن الله من إلى عباده بالغفلة عن الموت ، ولولاها ما تهنَّأوا بعيش ولا قامت بينهم الأسواق ) ، فهذا هو المعنى الوحيد الحسن لاسمي ، إلا أن الناس في غفلة عنه .
قلت : صدقت والله .
الغفلة : ولكن هناك معنى أخير ، لم أتطرق له .
قلت : وما هو ؟ فإنني في حاجة إلى فهم الغفلة فهماً شاملاً ، حتى أعرف كيف أرتقي بنفسي وأصلح سريرتي .
الغفلة : أما المعنى الأخير فهو معرفة السبب الرئيسي للاستهزاء بالناس ، والنظر إلى عيونهم ، وهو بالغفلة عن النفس ، كما قال عون بن عبد الله – رحمه الله – في صفة الصفوة ( ما أجد أحداً تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه ) فأتعظ يا عبد الله ، ولا تغفل عن ذكر الله ، وتذكر الناس .
قلت : بارك الله فيك ، يا غفلة وأسأل الله أن يعينني عليك منك .
الغفلة : وأنت كذلك بارك الله فيك، واحرص على عدم غفلة القلب إيمانياً حتى تكون من المتقين، وتُدْعى إن شاء الله تعالى
قلت : وأي عرس ذلك ؟
الغفلة : ( عرس المتقين يوم القيامة ) ، فمن وفق للهداية فرح بالعرس وبورك له فيه ، ومن كان غافلاً قيل له : {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا }[ الأعراف: من الآية51] ، ثم مد عبد الله يده وأخذ الكلمة وهو فرح بهذه الفوائد التي سمعها ، وعزم على أن يراقب قلبه ، حتى لا يغفل عن ربه ، ثم فتح الكتاب ووضع الكلمة محلها ثم أغلق الكتاب ووضعه في المكتبة وأخذ يكرر :
اللهم لا تجعلني من الغافلين .
اللهم لا تجعلني من الغافلين .
بشرى لكل شاب .
قال r : (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظلَّهُ ........... ومنهم ........ شاب نشأ في طاعة الله )) [ متفق عليه ] .
إن الناس يوم القيامة تدنو منهم الشمس ويبلغ منهم العرق كل مبلغ ويصيبهم من الأهوال ما يصيبهم .... وبينما الناس كذلك هناك من هو ينعم بظل عرش الرحمن ...
أخي الشاب .... هل طموح الشباب وعزيمته يعجزان عن السعي لإدراك هذا الفضل ؟! .
***************************
يوم الأربعاء
حوار مع الهمة
الغرفة مظلمة ، لا تكاد ترى يدك فيها من شدة الظلام ، وإبراهيم ممدد على فراشه في الجانب الأيمن من الغرفة ، وبقربه مكتبه ضخمة يضع كتبه فيها وفي الرف الأسفل منها يضع هاتفه القديم .
وفجأة ! رنَّ الهاتف ، يسمع إبراهيم الصوت ولكنه يعتقد أن هذا الصوت هو صوت جرس إنذار الحريق في الرؤيا التي كان يراها وهو نائم .
ثم عاد الصوت مرة أخرى ، ففتح إبراهيم إحدى عينيه ومد يده يتجسس مكان الهاتف ، ووضع يده على السماعة إلى أن الصوت قد توقف .
ثم عاد الصوت مرة أخرى فقفز إبراهيم من فراشه وأخذ يفرك عينيه وهو يقول : يا رب سهل !!
من يتصل بي في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟!
يا رب أحفظ والديّ !!
ثم رفع سماعة الهاتف وقال : نعم من يتكلم ؟!
فلم يرد عليه أحد .. فقال : ألو ... ألو .. فانقطع الخط .
فقال إبراهيم : إنكم شباب ضائعون .. تنامون النهار وتسهرون في الليل .
ثم عاد إلى فراشه ، وتمدد تحت الغطاء حيث كان الجو باداً ، وحاول أن يغمض عينيه ، لكن جهاز الهاتف عاد يرن من جديد ، فغضب إبراهيم وقام ورفع سماعة الهاتف بسرعة وقال : من يتكلم ؟
فرد عليه صوت خشن وقال : أنا غريب ...
فصرخ إبراهيم وقال : وماذا تريد ؟!
الصوت : أريد رجلاً يشاركني همومي وأحزاني .
إبراهيم : إنه يبدو قد أخطأت في المنزل ؟ الصوت : لا .. أنا لست مخطئاً .. ألست أنت إبراهيم عندما سمع اسمه ، وأخذ يفكر في الصوت وصاحبه ، وحاول أن يتعرف عليه ولكن بدون جدوى .
فقال : من أنت ؟!
الصوت : قلت لك أنا غريب ؟!
إبراهيم : وكيف عرفت اسمي ؟!
الصوت : هذا ليس من شأنك .
إبراهيم : حسناً .. اخبرني عن اسمك .
الصوت : لا يفيدك معرفة اسمي ، ولكني أريد رجلاً أصارحه ويصارحني ، حتى يخفف على الآمي وأحزاني ، فيواسيني .. ولهذا اتصلت بك .. فإذا كنت لا تريدني فاتركني وشأني .
فتردد إبراهيم ثم قال في نفسه .. ماذا يضرني لو تحدثت مع رجل لا أعرفه ؟
ثم قال تفضل ... هات ما عندك .
الصوت : وهو يتنهّد : آه .. إنها ضعف همة المسلمين يا إبراهيم ..
إبراهيم : وهل تعني أن همتي ضعيفة ؟
الصوت : لو كانت همتك ضعيفة لما أردت أن أصارحك وتصارحني ولكني اخترتك من جملة المسلمين لأن همتك عالية .
إبراهيم وما أسباب ضعف الهمة ؟
الصوت : اعتقد أن هناك أسباباً متعلقة بالمسلم نفسه ، وأخرى متعلقة بالواقع الذي يعيشه .
إبراهيم : وما الأسباب المتعلقة بالمسلم نفسه .
الصوت : كثيرة ، ولكن أذكر منها :
أولاً : عدم فهم بعض المسلمين لحقيقة دعوتهم وسر نشاطهم ، فبعضهم يتحرك للدعوة وكأنها مهنة وقتية أو هواية طفولية .
ثانياً : ضعف الإيمان وبالأخص باليوم الآخر في قلوب بعض المسلمين ، مما يجعلهم يتحركون للدعوة هواية لا طاعة .
ثالثاً : عدم تحصن بعض المسلمين من فتن الحياة الدنيا ، مما يؤدي بعد طول عمر دعوى إلى ضعف قلوبهم وسقوطهم .
إبراهيم : نعم .. إنني أشاركك الرأي ، وأنا أشعر أن النقطة الثانية تمسني جداً .
ولكن ماذا عن الأسباب الواقعية ؟ وهل تقصد أن الوظيفة أو الدراسة تؤثر في الهمة ؟
الهمة : أقول أن الأسباب الواقعية هي :
أولاً : تآلب أعداء الله لضرب الإسلام مما يؤثر في تأخير النصر فيمّل بعض المسلمين من الإصلاح وتضعف همتهم عن العمل.
ثانياً : انتشار الفساد في البقعة التي ينشط فيها المسلم مما يؤثر في حسن طاعته وقوة إنتاجه .
فهذه هي الأسباب ، وأنا حزين على وجودها ، ولكن الذي يسليني هو التفاؤل بالخير ، وحسن الظن بالله تعالى ، وأن الأمل بالمسلمين كبير فهم ملح البلاد وزهرة العباد .
إبراهيم : صدقت ... لقد أحسنت العرض ، وعرفت سبب همك وحزنك ، ولكني لم أعرف ما سبب اتصالك بي في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟
الهمة : الحقيقة .. إنك تعجبني بهمتك وحركتك بالدعوة إلى الله تعالى .. ولهذا أحببت أن أشكو لك بعض أمري .
إبراهيم : بارك الله فيك ، وسأبلغ رسالتك للمسلمين إنشاء الله . ولكن أخبرني كيف السبيل لتنشيطك في قلوب الدعاة ؟
الهمة : أهم سبب هو :
أن يعرف المسلم الغاية من خلقه وهدف وجوده وأهمية الدعوة إلى الله تعالى ، وهذا هو الجانب العلمي .
وأن يشتعل قلبه حرقة عندما يرى الفساد وضعف حال المسلمين فيتحرك لنجدتهم وتعليمهم وهذا هو الجانب العاطفي .
فبالعلم والعاطفة يتحرك الداعية دائماً للعمل والبناء .
إبراهيم : وماذا عن الهمة بين الدعاة كذلك ؟!
الهمة : إنها أسرار ومشاكل خاصة ولا أستطيع أن أبوح لك بكل شيء .
إبراهيم : اطمئني ، فإني أمين على حفظ الأسرار ، فأنا أسترها وأستر أني أسترها .
ومستودعي سراً تبوأت كتمه فأودعته صدري فصار له قبراً
الهمة : إذا كنت كذلك ، فسأخبرك ببعض أسراري .
إبراهيم : تفضلي .
الهمة : أن أكثر ما يضايقني من الدعاة أن يتأثر أصحاب الهمة العالية ، بأصحاب الهمة البالية ، فيثبطون من عزمهم ، ويجمّدون في حركتهم .
إبراهيم : وما يضير ذلك ؟! فإنه مما قيل في الأمثال : ( لا يضير السحاب نبح الكلاب ) .
الهمة : هذا صحيح .. ولكن عندما تكون الغالية من أصحاب الهمم الأرضية ، فإنها تؤثر في أصحاب الهمم السماوية ولهذا زعم بعض الأولين ( أن صحبة بليد نشأ مع العلماء ، أحب عليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال )
فانظر كيف أن للصحبة والمحاكاة أثراً !
إبراهيم : وكيف يتحقق ذلك بين مجتمع المسلمين ؟
الهمة : أعني أنه سار اثنان من المسلمين ، أحدهما سماوي الهمة والآخر أرضي فإما أن يحرق السماوي أخاه بنار حركته فيتحرك معه ، أو أن يجمدَّ الأرض أخاه بثلج ركوده أو برودة حركته فيجمد معه .
إبراهيم : وهل تضربين لي مثلاً على الهمة والحركة ؟
الهمة :انظر لنفسك فإنك صاحب همة عالية .
إبراهيم : جزاك الله خيراً ... ولكن أعني قصصاً ومواقف .
الهمة : لك ما طلبت .. فانظر إلى همة موسى عليه السلام في فعل الخير والتحرك له ، وذلك عندما ذهب إلى الفتاتين فقال الله تعالى على لسانهما :{ قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [ القصص: من الآية23] .
قال بعض المسرين : فانظر إلى موسى – عليه السلام – وهو مكدود قادم من سفر طويل ، بلا زاد ولا استعداد ، وهو مطارد ومن خلفه أعداء لا يرحمون ، ولكن هذا كله لا يقعد به عن تلبية دواعي المروءة والنجدة والمعروف وإقرار الحق الطبيعي الذي تعرفه النفوس (فسقى لهما ) .
إبراهيم :الله أكبر إنها لهمة عظيمة ... حتى وهو مرهق ، متعب ، مسافر يتحرك لله تعالى ، إنه لمثل جميل .
ولكن لا أريد مثالاً ،حدث في زماننا هذا .
الهمة : سأخبرك عن قصة أحد أصحاب الهمم العالية ، فقد قال : ( ومرة سألني ابني ( مجاهد ) وعمره بضع سنوات قائلاً : ( بابا متى تتعشى معنا . متى تأكل معنا ...........؟! ) وأنا مشغول يعلم الله بالدعوة في كل الأوقات فالدعوة تتوصل بالعمل والحب واللقاء المتواصل لا يمكن أن تبني الرجال ).
وهكذا الداعية ينبغي أن يكون ذا همة عالية لا يغفل ولا يتوانى وذلك لأن ( غفلة الداعية محنة لأنها صرفته عن نصر ممكن ، يحققه له الجدّ والعمل الدائب ، وعن أجر وثواب أخروي ليس له من مقدمة إلا هذا الجد ) .
إبراهيم : إنها لمواقف جميلة جداً تدل على اهتمام الدعاة بدعوتهم ، وقوة سعيهم لها بهمة عالية .
الهمة : نعم ولهذا قال الشيخ : ( عبد الله علوان ) رحمه الله : ( حين يكون اهتمام الداعية بدعوته ومجتمعه وأمة الإسلام كاهتمامه برزقه وبيته ، وأهله وولده ) .
نقول : ( إن الدعوة الإسلامية قد تركزت في بؤرة شعوره ، وتأصلت في أعماق وجدانه ) .
إبراهيم : ( وهو يسمع أذان الفجر ينادي ) : جزاك الله خيراً على كل حال ... والآن هل لديك كلمة أخيرة توجهيني بها لأنه لم يبق وقت على صلاة الفجر .
الهمة : أحكي لك قصة تنفعك في حركتك وهمتك .
يحكى أن رجلاً جهز ولده بمال ليتاجر به ، وأراد بذلك أن يعده للمستقبل ، فلما خرج رأى في طريقه ثعلباً قد عجز عن جلب قوته ، ففكر من أين يأكل هذا الثعلب ؟ .
وإذا به يرى أسداً قد جاء بفريسة فأكل منها حتى شبع ، ثم رمي بما بقى للثعلب فأكل منها .
فقال ذلك الشاب في نفسه : ولم اتعب والله تكفل بالرزق للعباد ؟ فلما رجع إلى أبيه حكي له ما رأى فقال أبوه : ( أردتك سبعاً تأكل من سعيك الثعالب ، لا ثعلباً تأكل من فتات السباع )
ثم قالت الهمة معقبة :
وهكذا عالي الهمة فإنه يتحرك بسعيه وحركته مع الدعاة إلى الله تعالى ، ولا يعيش هو على حركة غيره .
لا يرضى بالدون
ولا يرضى بالخمول .
ولا يرضى بالركود . الناس ينظرون إليه ، ولا ينظر هو إليهم .
دعاؤه دائماً ( واجعلني للمتقين إماماً ) .
إبراهيم : بارك الله فيك .
وأرجو ألا تقطعي الاتصال بي .
ثم أغلق إبراهيم سماعة الهاتف ...... وقال :
( والهمة طريق لبناء الأمة ) اللهم اجعلني للمتقين إماماً .
**************************************** *****
يوم الأربعاء
تمهل
أخي قبل أن تقدم على عمل من الأعمال فانظر هل تحب أن تكون قد عملته حينما تصير إلى أحد هذه المواطن :
عند مجيء ملائكة الموت لقبض روحك ؟
عند إدخالك القبر ولا تدري أروضة هو من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ؟
عند تطاير الصحف لا تدري أتأخذ كتابك بيمينك أو بشمالك ؟
حوار مع سحابة
الجو حار والشمس محرقة والوقت ظهراً ، بدأ جسمي يغرق في العرق ، بحثت عن مكان أستظل به فلم أجد . التفت حولي فلم أجد أحداً يسير في هذا الوقت .
جاءتني نسمة من الريح باردة فأنعشت جسدي ، نظرت إلى السماء وإذا بسحابة بيضاء كبيرة غطت الشمس فأظلتني ، فقلت في نفسي صدق الله .
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ} ( فاطر: 19- 21 ) .
تابعت سيري وأنا فرح بهذا الظل الذي أكرمني الله به ثم سمعت صوتاً غريباً فرفعت بصري وإذا بالسحابة تخاطبني وتقول : ما هدفك في الحياة يا عبد الله ؟
قلت : أنا مسلم وأحب الخير للناس .
كما أنني داعية ، وأدعو إلى الله عز وجل .
السحابة : كلنا مسلمون ومسلّّمون أمرنا إلى الله تعالى ، ولكن ينبغي أن يكون لك هدف مميز عن الناس .
عبد الله : ولكني لا أحب أن أخالف الناس .
السحابة : لا أعني تخالفهم لمجرد المخالفة ، ولكن الناس اليوم غير الناس .
عبد الله : وماذا تقصدين بذلك ؟
السحابة : ذلك ما قاله عبد الله بن عباس – رضي الله عنه – ( ذهب الناس وبقى النسناس ؟ فقيل له : وما النسناس ؟
قال : الذين يشبهون الناس وليسوا بالناس .
عبد الله : وماذا يقصد ابن عباس – رضي الله عنه - ؟
السحابة : ضعف الدين وقلة الالتزام به فقد ذهب الناس وبقى النسناس يا عبد الله .
عبد الله : إن كلامك جميل .
أخبريني عن حالك وعن حال الناس الذين تمرين من فوقهم ؟
السحابة : لقد تغير الناس كثيراً يا عبد الله .
فأنا أمر عليهم من زمن ببعيد .
عبد الله : وهل تضربين لي مثلاً على ذلك ؟
السحابة : نعم .. ففي قضية الحرص على الصلاة كنت يوماً أظل الصحابي عدي بن حاتم- رضي الله عنه- فسمعته يقول :
( ما دخل وقت صلاة حتى اشتاق إليها ) وقال ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء ) .
( بدأ عبد الله يردد في نفسه : فعلاً ذهب الناس وبقي النسناس ) .
ثم قالت السحابة : وأما في قضية الإخوة والمحبة فقد كنت يوماً أسير في السماء بعد وفاة الزبير بن العوام – رضي الله عنه فرأيت حكيم بن حزام وهو يقول لعبد الله بن الزبير : كم ترك أخي من الدين ؟
قال : ألف ألف (مليون) .
قال حكيم . علي خمسمائة ألف
فهذان مثالاً وفي النفس شيء كثير ولكن اللبيب بالإشارة يفهم .
عبد الله متعجباً : سبحان الله إن الإسلام كان له طعم في نفوسهم .
السحابة : نعم ..... وهذا هو التميز الذي قصدته عندما قلت لك ( ينبغي أن يكون لك هدف مميز ) فأريد من الإسلام أن يجعل منك خلقاً آخر ........ ولهذا قال قيس بن سعد ( سيد الخزرج ) رضي الله عنه .....( لولا الإسلام لمكرت مكراً لا تطيقه العرب : ) .
فانظر أخي رعاك الله إلى موقع الإسلام في نفوسهم .
عبد الله : صدقت والله .
السحابة : ولهذا فأنا أريد منك أن تكون خلقاً آخر تعيش من أجل قضية الإسلام وتحيا بها وتكون في حركة دائمة ودعوة إلى الله تعالى كالشمس .
عبد الله : وما وجه الشبه بين الداعية والشمس .
السحابة : وجه الشبه من ناحيتين :
(1) الأشعة التي يقذفها الداعية فَتًحْيِي قلوباً قد ماتت في الظلام .
(2) إن الشمس إذا غابت جهة المغرب أشرقت جهة المشرق وكذلك ينبغي أن يكون الداعية إذا غاب عن مجتمع أشرق في مجتمع آخر .
عبد الله : يبدو أنك سحابة أدبية ، أريد أن أتعرف عليك أكثر .
السحابة : أنا لست أديبة ، ولكن الواقع أدبني .
وأما عن هويتي ........ فإنا لا تفيدك في شيء .
عبد الله : وهو ينظر إليها محدقاً أخبريني ما أسمك ؟
السحابة : أنا سحابة الرشيد .
عبد الله : ومن هو الرشيد .
السحابة : لقد خرج ( هارون الرشيد ) رحمه الله يوماً فرآني في السماء فقال لي : يا سحابة أمطري حيث شئت فإن خراجك سيرجع إليّ .
عبد الله : وهو يضرب كفاً بكف – ذلك هو الزمان .......
فعلاً ذهب الناس وبقي النسناس .
السحابة : أعتقد أنه لا فرق بين الزمانين .
فالسماء هي السماء . والأرض هي الأرض .
ولكن الناس يا عبد الله ........... الناس .
وبدأت الدمعة الصغيرة تخرج من عين عبد الله وتنحدر على خده الأيمن وهو يقول : ولكن ما العمل وكيف الخلاص ؟
السحابة : كن ( سحابياً ) مثلي .
عبد الله : ولكن الله خلقني بشراً ولم يخلقني سحابة .
السحابة : لا أعني ذلك – ولكن كن سحابياً في صفاتك وأخلاقك ، وفي حركتك وهمتك .
عبد الله مستغرباً : وكيف ذلك ؟
السحابة : أي أن أخلاقك وصفاتك عالية ، وتكون حركتك وهمتك سامية .
فأنا أحيي الأرض بالماء ، وأنت تحيي النفوس بقانون السماء وأنا أسقي الأرض ، وأنت تحذر الناس من يوم العرض .
فكن سحابياً أيها الداعية .
أنا عالية مرتفعة في السماء .
وأنت ترتفع عن الفكر وأهله في السماء .
فكن سحابياً أيها الداعية .
أنا في الصيف أحمي الناس من حرارة الشمس وفي الشتاء أسقي الأرض والنبات .
وأنت كذلك في الصيف والشتاء دائم الحركة ودائم المنافع تكيف نفسك مع الظروف ولا يقيدك زمان أو مكان .
فأنا جسمي كبير وشكلي عظيم ولكني هينة لينة سهلة إذا اخترقني طائر في السماء أو طائر في الجو .
وأنت كذلك هين سهل وهذه من صفات أهل الجنة .
فكن سحابياً أيها الداعية .
فرفع عبد الله يديه إلى السماء وقال :
( اللهم اجعلني سحابياً في همتي وحركتي ودعوتي وديني ...........)
ثم تحركت السحابة وقالت . وكما أنني زينة السماء فكن أنت زينة الأرض !!
**************************************** *******************
يوم الأربعاء
القمار
عندما ترى إنساناً يحمل ورقة نقدية ويرميها في سلة المهملات فإنك لأول وهلة تتصور أن هذا الرجل فاقد لعقله ، فأنت تتفق معي أن العاقل لا يمكن أن يفعل ذلك لأنه يحس بقيمة هذه النقود وفائدتها ...... فلتعلم إذاً أنه يوجد من هذه الفئة أناس كُثُر وممن يتمتعون بكامل قواهم العقلية .
بل ويجدون في ذلك لذة ومتعة .
أليس الذين يجدون في ذلك لذة ومتعة ؟
أليس الذين يلعبون القمار كذلك ........؟
لا بل هم من أعظم من ذلك لأنهم يجمعون بين خسارة المال وعذاب الآخرة ، بين سفاهة الدنيا وعذاب الآخرة . إن الله منحنا هذا المال ليؤدي وظيفة مهمة وليكون لنا زاداً في هذه الحياة الدنيا . فكيف نفرط فيه هذا التفريط ؟!! .
حوار الأمل مع القمر
القمر : السلام عليك أيها الأمل .
الأمل : عليك السلام أيها القمر .
القمر :لقد أشغلت الناس أيها الأمل .
الأمل : وأنت لقد أشغلت الناس بك أيها القمر .
القمر :ماذا يقول الناس عنك في الأرض أيها القمر ؟
الأمل : أصابع اليد ليست واحدة ، فمنهم من يقول : أملي أن أعيش سعيداً وأموت سعيداً وآخر يقول أملي أن أعيش مجاهداً وأموت شهيداً ، ومنهم من يقول أملي أن أكون طبيباً أو عالماً أو مهندساً ، أو ... ، ومنهم من يقول أملي أن أكون غنياً أو تاجراً أو .... ومنهم من يقول أملي أن أكون غنياً أو تاجراً أو .... ومنهم من يقول أملي أن أكون أباً أو أماً ...، ومنهم من يقول أملي أن يرزقني الله ولداً بعد أن رزقه الله بالبنات ...! ومنهم من يقول أملي أن يرزقني الله بنتاً بعد أن رزقه الله بالأولاد ..! ومنهم من يقول أملي أن يرزقني الله ولداً أو بيتاً بعد أن جعلهُ الله عقيماً ..! ومنهم من يقول أملي في الشفاء من الأمراض .. ومنهم من يقول أملي أن يعم السلام في جميع الكرة الأرضية .. ومنهم من يقول أملي أن يعم الإسلام جميع الناس ..... ومنهم من يقول أملي أن أجول حول العالم ... أو يصعد إليك أيها القمر ! ومنهم .... ومنهم .....
القمر : تعلق الناس بك عظيم أيها الأمل ، لكن هل يصلون إليك ؟
الأمل : من جد وجد ومن زرع حصد ، ومن سار على الدرب وصل . وأنت أيها القمر ما هي آمالك ؟
القمر : لقد عشت أرقب الأرض منذ أن خلقنا الله ، وتعاقبت على الأرض أجيال وأجيال ، فأجيال آمالها أحلام ، وأجيال آمالها آلام ! وأجيال تصل إلى آلامها ، وأجيال يحول بينها وبين آمالها الفناء !
ولم أر آمالاً كآمال ذلك الجيل القرآني الفريد الذي عاش في مكة والمدينة مع نبيه محمد r ، ولكن ما هي آمالك أنت أيها الأمل ؟
الأمل : لقد حركت مشاعري ولمست جراحاتي بكلامك أيها القمر ، إني آمل أن يعود جيل مثل ذلك الجيل القرآني الفريد ، فيه أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسلمان وصهيب وبلال وحذيفة وسراقة ..... وغيرهم ، وخديجة وعائشة وجويرية وأسماء وفاطمة وغيرهن .... أملي باختصار أن يعود المسلمون رجالاً ونساءً وشيباً إلى سابق عزهم ومجدهم فهل يتحقق ذلك يا ترى ؟ .
القمر : إن شاء الله .
الأمل : ونعم بالله .
**************************************** ***************
يوم الأربعاء
من السعيد ؟!
لو سألت أي إنسان في هذه الحياة عن أمنيته ، وعما يسعى إليه لقال :( السعادة ) إنها هدف الجميع ومقصدهم . لكن اتحاد الهدف لا يلزم منه اتحاد الوسيلة . وليس كل من قصد شيئاً عرف طريق الوصل إليه . فانظر في حال الباحثين عن السعادة .
فمنهم من يرى أنها في المال والثراء
فمنهم من يرى أنها في المنزلة بين الناس .
فمنهم من يرى أنها في الجاه والسلطان .
فمنهم من يرى أنها في إعطاء النفس ما تصبو إليه من الشهوات والرغبات .
ومنهم ........ ومنهم ........
لكن السعيد هو الذي يتقي الله ويلتزم أوامره فهو يحصَّل خيري الدنيا والآخرة
ولست أرى السعادة جمع مالٍ لكن التقيََّّ هو السعيد
حوار مع لحظة
خرجت يوماً امشي على قدمي حتى وصلت شاطئ البحر . وبينما أنا أتفكر في عجيب خلق الله – هذا البحر – إذ سمعت هاتفاً ينادي . فالتفت فلم أر أحداً وما زال الصوت ينادي ويرتفع حتى قلت من أنت أيها الصوت ، فرد عليَّ قائلاً : أنا اللحظة .
قلت : ومن تكونين أنت أيها اللحظة ؟
اللحظة : أنا بنت من بنات الوقت ، وإخوتي الدقيقة والساعة واليوم والشهر والسنة
قلت : مرحباً بك ، وماذا تريدين ؟
اللحظة : أريدك أن تقص على الشباب قصة فيها عبر .
قلت : تفضلي .
اللحظة : كانت لي قصة مع عبد الله سأتركه يقصها لكم بنفسه ... يقول عبد الله : ( جلست يوماً بين يدي الله تعالى نادماً على أوقات قد سلفت من عمري واستدعيت لحظة من لحظات حياتي ..... )
فقلت لها : أريدك أن ترجعي إلي حتى استغلك بالخير .
قالت : عن الزمان لا يقف محايداً أبداً ! .
قلت : يا لحظة .. أرجوك ارجعي . فكم من اللحظات قد ضيعتها بعدك ؟
قالت : لو كان الأمر بيدي لرجعت ، ولكن لا حياة لمن تنادي . وقد طويت صحائف أعمالك ورفعت إلى الله .
قلت : وهل يستحيل رجوعك إلى وأنت تخاطبيني ؟
قالت : إن اللحظات في الحياة إما صديقة ودودة تشهد لصاحبها ، وإما عدوة لدودة تشهد عليه ، وأنا من اللحظات التي هي من أعدائك والتي تشهد عليك يوم القيامة ، فكيف يجتمع الأعداء ؟!!
قلت : يا حسرتى على ما ضيعت من عمري من لحظات !!! ولكني أرجوك ارجعي إلى حتى أعمل فيك عملاً صالحاً فيما تركت ، وسكتت اللحظة ....
فقلت : يا لحظة !! ألا تسمعيني ؟؟ أرجوك .
قالت : يا غافلاً عن نفسه ، يا مضيعاً لأوقاته ... ألا تعلم أنك من أجل إرجاع لحظة قد ضيعت لحظات من عمرك ، فهل عساك أن ترجعها كذلك ؟
**************************************** ******************
يوم الأربعاء
للعقلاء
قد تسمع عن المغني الفلاني والمغنية الفلانية ، فأنت لست بحاجة أن أبين لك تحريم ذلك فقد قال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [ لقمان:6 ] .
وقال النبي r : (( ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف )) [ رواه البخاري ]
ولكن ألست معي أن الأغاني بمجموعها تدور حول الحب والتعلق بالمحبوب وتحثُ على الزنا ؟ .
حوار مع الوقت
قال رسول الله r : (( لا تزال قدما عبدٍ حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن علمه ما فعله به ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن جسمه فيم أبلاه ....)).
السائل : أيها الوقت العزيز ، هل يمكن أن نأخذ منك قليلاً ؟
الوقت : أنا حريص على نفسي ولا أستطيع التفريط بشيء مني إلا في علم نافع أو عمل صالح أو مصلحة راجحة .
السائل : أنت شخصية مهمة والناس في شوق إليك ، نريد بضعاً من الدقائق فقط .
الوقت : لا بأس ، ولكن بسرعة واختصار ودون تكرار .
السائل : عرف بنفسك ؟
الوقت : أعجب مخلوقات الله . أقسم بي ربي في كتابه . أنا الثواني والدقائق والساعات والأيام والسنين ، أنا الليل والنهار .
السائل : ذكر لنا شيئاً من صفاتك .
الوقت : إذا ذهبت لا أعود ، لا أقدر بثمن ، ولا بديل لي .
السائل : ماذا قال عنك الله في كتابه الكريم ؟
الوقت : قال تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [ النحل:12].
السائل : وماذا قال عنك الرسول r ؟
الوقت : قال رسول الله r : (( لن تزال قدما عبدٍ حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن علمه ماذا عمل به ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه )).
السائل : هل أنت من ذهب ؟
الوقت : يقولون ذلك عني ، وهو غير صحيح ، فأنا لا يمكن أن أعوض لا بالذهب ولا بما هو أغلى من الذهب .
السائل : ولماذا ؟
الوقت : لأني أنا الحياة ألم تسمع ( الوقت هو الحياة ) .
السائل : وماذا عنك أيضاً ؟
الوقت : قال الحسن البصري ( وقد كان يعتني بي اعتناءً فائقاً ) : ( اليوم الذي تطلع فيه الشمس ثم تغيب لا يعود أبداً ) وهو صادق . وقال أحد الحكماء ( الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ) ، وقال يحيى بن هبيرة شيخ ابن الجوزي : ( وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة ، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم وهو يمر مر السحاب فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره وغير ذلك ليس محسوباً من حياته وإن عاش فيه عيش البهائم ، فإذا قطع وقته خير ما قطعه به النوم والبطالة فموت هذا خير من حياته ) .
السائل : من هم أصدقاؤك ؟
الوقت : كل من اهتم بي ويحرص عليَّ فهو صديقي ، وخيرهم نبينا محمد r .
**************************************** *****************
يوم الأربعاء
هدية
إلى من صبر على ترك المحرمات وجاهد نفسه في فعل الواجبات .
إلى من كف بصره وقد أطلق الناس أبصارهم في الحرام .
إلى من قهر شهوته وقد تفتحت أمامه الأبواب .
إلى من رعى أولاده وصبر على تربيتهم .
حوار مع العائلة القاتلة (المخدرات )
من أعماق الظلام خرجت صرخات متتالية ، اهتز لها السكون ، وتفتحت لها العيون ...... إنسان يصر ... بقوة ... بقوة جداً . صرخات متتالية ... آه .. آه ... أريد حبيبتي .. وروح قلبي .. أريد قلبي ... أريد حياتي .. آخ .. آخ ..
من أنت أيها الصارخ في جنح الظلام ؟!
ولماذا هذه الصرخات وتلك الصيحات ؟! ومن هي حبيبتك ؟!! تكلم .
لم يستطع الصارخ الكلام .. إنه لا يعرف من قاموس الكلمات سوى .. آه .. آخ ..! وفجأة .. جاءت همسة ، بل همسات في هدوء وسكنات وسمع صوت رقيق يقول : أنا هنا .. أنا هنا ..خذني .. ابلعني .. ضعني تحت جلدك أو في وريدك . وفي سرعة البرق، أطاع الصاروخ الصوت، وهدأ الصراخ ورحل الأنين! وبعدد فترة لم تطل.. عاد الصارخ.. عاد العويل .. عاد بالارتطام بالأرض والجدار ولو استطاع الارتطام بالسقف لفعل !! ويا عجباً ظهر الصوت الهادئ مرة أخرى : أنا هنا يا صغيري.. خذني.. وتكرر هذا المشهد مرات ومرات..والصوت الصاروخ يذبل ويموت.. والصوت الهادئ يضحك ويسخر، كأنه يقول له : وداعاً يا صديقي حان موتك ، ولا بد أن أفارقك ، فغيرك ممن يحبون هذا النوع من الموت في انتظاري .. وداعاً . ويعود الصراخ مرة أخرى .. ولكنه أقوى وأشد وأعتى .. والصارخ ينتظر الصوت الهادئ .. ولا مجيب.. آه.. آه.. آخ ولا مجيب سأموت .. ولا مجي .. ثم انقطع الصراخ ، وقال الناس ( كان صارخ يقول آه ..آه ..آه ثم مات ) .لحق قلمي
بالصوت الهادئ : أيها الصوت قف قليلاً ، أريد الحديث معك .
الصوت : هل أنت شرطي .
القلم : لا أنا صديق يريد أن يتعرف عليك .
الصوت : أهلاً بك ، فأصدقائي كثيرون .
القلم : عرفني بنفسك .
الصوت : أنا المخدرات .
القلم : ومن ذلك الصارخ .
الصوت : لعلك تقصد ذلك الهاتف .. إنه أحد أصدقائي الأوفياء .
القلم : وكيف تعرَّف عليك ؟
الصوت : قصته طويلة سأقصها لك وللتاريخ ، فاسمع يا تاريخ !
القلم : تفضل .
الصوت: كان الصارخ فتى يافعاً، نشيطاً قوياً، يعمل بجد واجتهاد،كان لا يعرف عالم الصراخ.. كان هادئاً..كان بعيداً عني
القلم : وكيف تعرف عليك ؟ وأخوته كذلك .
القلم : وهل تزوج ؟
الصوت : كان ينتظر الزواج ، ينتظر البيت الهادئ ، ينتظر من يناديه ( أبي ) ويسمع في بيته أمي .... أبي ... أمي .... أبي!
القلم : وكيف وأين عاش ؟
الصوت : عاش مع الصارخين أمثاله ، ليله صراخ ونهاره كفاح وبحث عني .
القلم : أريد أن أتعرف عليك أكثر ؟
الصوت : هل تريد أن تكون من الصارخين ؟
القلم : لا معاذ الله .
الصوت : نحن عائلة كبيرة ، فينا الصغير وفينا الكبير ، فينا الضعيف وفينا
القوي ... نحن عائلة الأفيون والمورفين ( إله الأحلام عند الإغريق ) .
أجدادنا الكبار يقال لهم : الهيروين ( كلمة لاتينية تعني البطولة ) والكوكائين والحشيش . وآباؤنا يقال لهم : الغول- التبغ- الكائفين- القات- البتل- الكافا. وأبناؤنا يقال لهم: المهدئات- المقويات- المخيلات- المهلوسات. وأقاربنا: كل من منا فهو منا . وضحايانا : بالآلاف ... بل بالملايين .
القلم : إذن أنتم قتلة .. مجرمون .. فقال الصوت : نعم نحن قتلة .. مجرمون .. لكننا لا نؤذي الطيبين لا نؤذي إلا من يقترب مني .
الصوت : عن طريق صارخ سابق لعله لقيه في أيام الاختبارات يعلوه الإرهاق من المذاكرة فقال له : لماذا تعيش في عالم الإرهاق وأنت شاب. خذ هذه الحبة. يذهب عنك الإرهاق. إنها حبة واحدة فقط أو لعله لقي ذات يوم مهموماً من أمر ما.
فقال له : خذ هذه الحبة فيذهب عنك الهم والحزن . إنها حبة واحدة فقط أو لعله لقيه يوماً غارقاً في حالة عصبية، فقال له: خذ هذه الحبة المهدئة تهدأ أعصابك ويرتاح بالك . إنها حبة واحدة فقط أو لعله لقيه يوماً غارقاً في التفكير في مشكلة ما ، أشغلته وأرقته فقال له : خذ هذه الحبة وانتقل إلى عالم الأحلام بعيداً عن المشاكل والأوهام . إنها حبة واحدة فقط .
القلم : ثم ماذا حدث بعد ذلك ؟
الصوت : أخذ المسكين الحبة ، فشعر بهدوء وراحة البال ، وهدأت أعصابه ... هدوء مؤقتاً ... وراحة بال مؤقتة ... وسعادة زائفة .
القلم : ثم ماذا ؟
الصوت : ثم أخذت الحبة تنادي أختها الأخرى والأخرى تنادي الأخرى . وفي المقابل يدفع ليبلع ، يقطر من جيبه المال ويقطر من قلبه الدم .
القلم : ثم ماذا ؟
الصوت : ترك الدراسة ... أصبح فاشلاً .. يركض خلفي .
القلم : وأهله ؟
الصوت : كان والداه يحبانه وكان يحبهم ، فأصبح لا يطيقهم ولا يطيقونه !
يوم الأربعاء
للمسافرين
لو قيل لك :
لو قيل لك : إنك على موعد في الساعة الفلانية مع مسئول ما فإنك حتماً ستجد نفسك قبل الموعد بوقت كافٍ قد حضر ... بل وها أنت تحضر إلى المطار قبل موعد الإقلاع . التزاماً بهذا الموعد وحرصاً على عدم فواته .... كيف والله عز وجل قد حدد لك مواقيت ومواعيد محددة لإقامة الصلاة وقد سهل لك الأمر فتصلي حيثما أدركتك الصلاة ، فلمَ لا تُلزم نفسك برعاية هذا الموعد .... أليس الله أولى بالرعاية والحفظ .
حوار مع سجادة
لا شك أن كل ابن آدم ينام ، وكل إنسان يأوي إلى فرشه ليلاً ، ولكن هل تعرفون كيف نومتي تلك الليلة ؟
كنت نائماً في ليالي الشتاء الباردة ، من بعد نصب وتعب من مشاغل الدنيا ، وما أكثرها .
وقد استلقيت على فراشي ، وغرقت في نوم عميق جداً ، فاستيقظت قبيل الفجر من عطش شديد ألم بي ، فقمت لأشرب الماء فسمعت أنيناً يخرج من الأرض ، تلفت حولي فذهب الأنين ، ثم ذهبت وشربت الماء فعدت إلى الفراش ، وإذا بالأنين يعود مرة أخرى ، وفي هذه المرة كان الأنين قوياً وكأنه صوت بكاء ، فتحسست الأرض بيدي ، حتى أمسكت ( سجادتي ) فسكت قلت مستغرباً : أأنت التي تأنين يا سجادتي ؟!
قالت : نعم .
قلت : لماذا ؟!
قالت : لقد أيقظك عطشك وشربت من الماء حتى ارتويت وأنا بحاجة إلى الماء ولا أجد من يرويني !!
قلت : وهل تريدني أن أحضر لك كأساً من الماء !!
قالت : لا ، ليس هذا الماء الذي يرويني ، إنما يرويني دموع العابدين التائبين .
قلت : ومن أين لي أن أحضر لك بهذا النوع من الماء ؟
قالت : وهذا هو سبب بكائي فقم يا عبد الله وصل لله ركعتين في ظلمة الليل ، حتى تنير لك ظلمة القبر ، والجزاء من جنس العمل ، ولم يبق من الوقت إلا القليل وبعدها يؤذن لصلاة الفجر .
قالت : يا عبد الله قم لصلاة الفجر ، فإنها حياة للقلب والروح ، وقد حان موعد الأذان ليردد ( الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ) وأنت تستجيب لنداء الدنيا كل يوم في الليل والنهار . ولا تستجيب لنداء العزيز القهار .
قلت متضايقاً : دعيني أنام يا سجادتي .. فأنت تشاهديني كل يوم ، لا أعود إلى المنزل إلا وأنا مرهق متعب .. ثم أخذ اللحاف ووضعه على صدره فشعر بالدفء واستسلم لسلطان النوم .
قالت السجادة : يا عبد الله . وهل تعطي للدنيا أكثر مما تعطيه لدينك ؟
قلت بلهجة تهكمية : أسكتي يا سجادتي . أرجوك لا تتكلمي .. فإني متعب ومرهق . أريد أن أنام .
فسكتت السجادة برهة متأثرة بما قال عبد الله وقالت بصوت حزين: آه لرجال الفجر آه لرجال الفجر !! آه لرجال الفجر!!
ألم تسمع قول النبي r : (( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر والعصر )) .
وقال عليه الصلاة السلام : (( من صلى البردين دخل الجنة )) .
وقال : (( بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة )) . وقال أيضاً : (( ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً )) .
فانتبه عبد الله من غفلته وقال : فعلاً إن صلاة الفجر مهمة .
السجادة : قم يا عبد الله قم .
قال : غداً أبدأ إن شاء الله ...... ولكن اتركيني اليوم لأنام فإنني مرهق .
السجادة : وهي متحسرة ( من لم يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه في جميع الأحوال ) .
ثم قالت : ستنام غداً في قبرك يا عبد الله ، وستذكر كلامي ونصحي ... ثم تركته السجادة ، ونام عبد الله ، ولكن ! كانت أطول نومة ينامها في حياته ، فقد من تلك الساعة . فأنشدت السجادة حين بوفاته قائلة :
يا من يعد غدا لتوبته
المرء في عيشه على أمل
أيام عمرك كلها عداد
أعلى يقين من بلوغ غد
ومنيته الإنسان بالرصد
ولعل يومك آخر العدد
**************************************** ***************
يوم الأربعاء
ممنوع دخول المسلمين
( المسارح ، الأماكن المختلطة ، المقاهي ( السينما ) ......)
ولو فكرت بالدخول فقبل ذلك اسأل نفسك هذه الأسئلة :
هل ترى فيها الوجوه الطيبة الخيرة التي تذكرك بالله عز وجل ؟! .
هل تحب أن يأتيك الموت وأنت فيها ؟!
وهل إذا دخلها ابنك تعلم فيها برك وطاعتك ؟!
وهل إذا دخلها ابنك تعلم فيها الفضيلة وحسن الخلق ؟! .
وهل تحب أن يكتب في صحيفة عملك أنك دخلت هذه الأماكن ؟!
لا تنسى أن عن يمينك ويسارك من يكتب جميع أعمالك .
حوار مع الظل
تلفت حولي فلم أجد ظلي !!
رفعت بصري إلى السماء ، وإذا بالشمس في كبد السماء ، ولا يوجد أي أثر لغيم أو سحاب ، ثم تلفت حولي فلم أجد ظلي .
سبحان الله !! أين ذهب ، لقد كان يسير بجواري ...
رجعت إلى الوراء باحثاً عن ظلي ، فوجدته بقرب صخرة .
قلت له أين أنت يا ظلي ؟
لماذا لم تتابع السير معي ؟
الظل : لقد مللت من السير معك .
قلت : وما السبب ؟!
الظل : لأنك ترغمني على أماكن لم أخلق لها ، وإنك تفعل أعمالاً في ظاهرها الإخلاص وفي باطنها الرياء .
( يا ليتني لم أكن ظلك )
قلت : أنك تتمنى فراقي ، والناس يتمنون لقائي ، قلت أخطأت الحكم يا ظلِّي .
الظل : والله لم أخطأ .. فالناس يعرفون مظهرك ، وأنا أعرف مخبرك وجوهرك .
قلت : وما قصدك من هذا الكلام ؟
الظل : قصدي ، أنت تعرفه جيداً فإن ( جوهر الأخلاق تفضحها المعاشرة ) والناس لا يعاشرونك مثلي ( والخيل أعرف بفرسانها ) ، ولو نظرت إلى قلبك لرأيت فيه السواد .
قلت : وما سبب سواده :
الظل : هو عدم الإخلاص في الأعمال ، والرياء في المعاملات .
قلت : وهل يؤثر هذا الخلق في القلب إلى هذا الدرجة ؟
الظل : نعم ، فإن الإخلاص هو أصل العمل ، حتى قيل في الأمثال ( قل لمن لا يخلص لا تتعب ) ، وقد أمر الله تعالى به بقوله : {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [ البينة:4] .
قلت : وهل تضرب لي مثلاً على ذلك ؟
الظل : لا بأس ، ولكن تدبر ما قول :
( إن الشجرة إذا تبين عروقها ، انقطعت عن شربها للماء ، وجف ورقها ، ولم تثمر ، وذهب قدر قيمتها ... أما إذا غاصت عروقها ، كثر شربها فاخضر ورقها ، وطاب ثمرها فإنه يثمر قدر قيمتها ...)
وهكذا يا صاحبي ....... إذا كان عملك خالصاً لله تعالى ، له أصول في شرع الله تعالى ، فإنه يثمر بما يحمد عقباه .
قلت : ولكن هذا الأمر شديد على نفسي !!
الظل : صدقت ، لأن النية من أكبر الأبواب التي يدخلها الشيطان ، فيفسد على المرء عمله ، ولهذا قال سفيان – رحمه الله – ( ما عالجت شيئاً أشد على من نيتي )
قلت : ولكن الناس لا يعرفون أنني مراء .
الظل : وهل أنت ممن يتعاملون مع الناس ، أم مع رب الناس ؟ فالله تعالى لا تخفى عليه خافية ( فالكل مكشوف – عنده القيامة – مكشوف الجسد ، مكشوف النفس ، مكشوف الضمير ، مكشوف العمل ، مكشوف المصير ، وتسقط جميع الأستار التي تحجب الأسرار وتتعرى النفوس تعري الأجساد )
فلا ينفعك الناس يومئذ يا صاحبي .
بل أخلص في عملك ، واخف عبادتك ، حتى لا يسرق الشيطان حسناتك ، كما كان يفعل بعض الصالحين ( وقد صام أربعين سنة لا يعلم به أحد ، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان ، فيتصدق بهما ويصوم ، فيظن أهله أنه أكلهما ، ويظن أهل سوقه أنه أكل في بيته .
قلت : لقد غيَّرت نظرتي لنفسي يا ظلِّي .
ولكن ما علامات المرائي ؟
الظل : استفت نفسك ، فأنت الخبير بها .
قلت : لا تكن قاسياً على يا ظلي ، وأخبرني فإنني عزمت على الإخلاص . إن شاء الله .
الظل : قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه :
للمرائي ثلاث علامات :
(1) يكسل إذا كان وحده .
(2) وينشط إذا كان مع الناس .
(3) ويزيد في العمل إذا أثني عليه وينقص إذا ذم .
قلت : يا حسرتي ... لقد ضاعت أعمالي .
الظل : جدد العزم ، وجدد العهد مع الله تعالى ، واسأل الله دائماً الإخلاص في العمل ، حتى يبارك لك الله في أعمالك كما بارك لعمر بن عبد العزيز رحمه الله .
قلت : وكيف بارك الإخلاص في شخصية الخليفة الخامس ؟!
الظل : لقد وصف هشام بن عبد الملك ابن عمه عمر بن عبد العزيز الأموي – رحمه الله – فقال : ( ما أحسب عمر خطا خطوة قد إلا وله فيها نية ) ولذلك استطاع عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – في أقل من سنتين تقويم اعوجاج جيلين ، وعلى داعية الإسلام اليوم ألا يستكبر عظم الانحراف الذي عمّ بلاد الإسلام ، فإنه إن قرن كل خطوة بنية مثل الراشد الخامس سيهزم حزبين بإذن الله في أقل من سنتين ) .
قلت : بعد تفكير وتدبر : عن كلامك ليحرك الجبل من مكانه ، وإني سأتحرك (بنية ) إن شاء الله .
الظل : فابدأ يا صاحبي بمجاهدة نفسك على الإخلاص ، وتحرك بمجاهدة نفسك على الإخلاص ، وتحرك بنية قبل أن يحرقك ظلك .
قلت مستغرباً : ماذا تقول ؟!
وهل الظل يحرق ؟
الظل : نعم يا صاحبي .. لأن هناك نوعين من الظل :
(1) ظل مذموم : وهو في قول الله تعالى : {لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} [ المرسلات:31]
( أي انطلقوا إلى ظل دخان جهنم المتشعب ( لا ظليل ) أي لا يقي حر ذلك اليوم ( ولا يغني من اللهب ) أي ولا يدفع من حرِّ النار شيئاً ) .
(2) وظل محمود : وهو ظل الجنة لقول الله تعالى: { فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ} [ الواقعة:28- 31] .
( والجنة كلها ظل لا شمس فيها ) .
فاختر أي الظلين شئت يا صاحبي .
وقل لمن يخلص لا تتعب .
وتراب الإخلاص خير من زعفران الرياء .
يوم الأربعاء
فيم التنافس ؟
إن مما جبل عليه الناس في هذه الدنيا محبة التنافس والتفوق على الآخرين . لكنهم وإن اشتركوا في هذه الغريزة إلا إنهم يختلفوا في وسائل إشباعها تبعاً لاختلاف نظراتهم للحياة واختلاف أنماط سلوكهم واتجاهاتهم ... فمنهم من يتنافس في كثرة الأسفار .. ومنهم من ينافس في شراء المساكن في بلاد المعصية .. في شراء أفضل عطور باريس .. في لبس آخر (( الموضات)) ... في نزع الحجاب .... في التمتع بسائر المعاصي ..... وهناك من علت همته ، وسمعت نفسه ، وقويت إرادته فأصبح ينافس في كسب رضى الرحمن ، في جنة الخلد ، في رؤية الرحمن ، في العيش في دار الأبرار مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ... قارن بين هؤلاء وهؤلاء وأصدر حكمك ! وابحث عن مكانك مع أي الطوائف أنت ؟
حوار مع صديق قاتل
السيجارة : قد تستغرب يا صاحبي عندما أكتب إليك هذه الرسالة ، ولكن السيل قد بلغ الزبى ، فخذها نصيحة من قاتلة ، واسمح لي بأن أكون صريحة معك إلى أبعد الحدود . لو قلت لك : هل تحبني من قرارة قلبك ؟
المدخن : لا طبعاً ولكنها الشهوة والهوى .
السيجارة : ألا تعتقد بأني مصيبة وتود الخلاص مني ؟
المدخن : أتمنى الخلاص منك بسرعة ولكن !
السيجارة : ألا تعلم أني أضر بصحتك ؟
المدخن : أعلم ذلك جدياً ، فأنت تتلفين الكبد والرئتين والقصبة الهوائية وتسببين مرض السرطان وغير ذلك .
السيجارة : ألا تعلم أني أضيع لك مالك ؟
المدخن : أنت تحرقين مالي ... أنت تنهبين مالي ... أضيق على والدتي ، ووالدي ، وإخواني وزوجتي وعيالي بسببك أنت !.
السيجارة : ماذا استفدت مني ؟ وماذا خسرت ؟
المدخن : استفدت نشوة ، وخسرت كل شيء ..... مالي ... صحتي ..... وأهلي .
السيجارة : ما رأيك برائحتي ؟
المدخن : كريهة .
السيجارة : كم تصرف يومياً عليّ ؟
المدخن : 10 ريالات أو 8 ريالات أو 6ريالات أو 4ريالات أو ريالين .
السيجارة : أنت تصرف سنوياً 3600ريال أو 2880ريالاً أو 2160ريالاً أو 1440ريالاً أو 720ريالاً على الأقل . أما إذا كنت تصادقني منذ 10 سنوات فأقول لك بأنك قد صرفت بمعدل 21600 ريال !
السيجارة : هل تسميّ عند البداية بي ؟
المدخن : طبعاً لا ( غير معقول ) .
السيجارة : هل تحمد الله عند الانتهاء مني ؟
المدخن : طبعاً لا ( مستحيل )
السيجارة : إذا انتهيت مني أين تضعني ؟
المدخن : تحت قدمي طبعاً أو أحذفك بعيداً .
السيجارة : يا صاحبي .. تنفق علىَّ مالك وتحرم أهلك وعيالك منه ، ولا تسمي عند البداية ولا تحمد الله عند النهاية وترميني تحت قدميك ... ما رأيك ؟ أهكذا يتصرف العقلاء ؟ ما رأيك لو تتركني ؟
المدخن : لا , لا, لا, لا, لا, لا , لا, لا, لا أستطيع !
السيجارة : ....... ولكنك تتركني في نهار رمضان حتى المغرب .
المدخن : لأني صائم تركتك .
السيجارة :إذن فأنت تستطيع أن تتركني لكن إرادتك ضعيفة وعزيمتك واهنة ... وأنت مسكين إذا تركتني سأفقرك ، سأنغص حياتك ، سأمرضك ، سأقتلك عاجلاً أو آجلاً .
**************************************** **************
يوم الأربعاء
ممنوع الاقتراب
هل رأيت جناية أعظم من أن يجني الإنسان على عقله حتى يصبح دون عقل ويصبر كالحـ.....
أخي ساعدني في البحث عن وصف ينطبق على هذا الرجل ......
وليكن نصب عينيك دائماً قول الله تعالى :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة:90- 91] .
وقال r (( لا يدخل الجنة مدمن خمر )) ، وقال r (( من شربها في الدنيا لم يشربه في الآخرة ))
وقال الشاعر :
واهجر الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل
حوار مع الدنيا
وبينما كنت أجلس وحدي ، تمثلت الدنيا أمامي !!
قالت الدنيا : ماذا تريد يا عبد الله ؟ ها أنا ذا أمامك .
قلت وأنا متأسف : إنه ليحزنني أني أحبك ، وأهواك ولا أستطيع أن أتركك .
الدنيا : إن هذا لشعور طبيعي ، ومن ادَّعى أنه لا يحبني فهو كاذب ، فأنا من خلق الله تعالى ، وأنا محبوبة إلى النفوس .
عبد الله : وهل أنا منهم ؟
الدنيا : نعم ، ولكن فيك صفات طيبة .
عبد الله : وكيف أعرف حقيقتك ؟!
الدنيا : من قول الرسول r : الدنيا حلوة خضرة فقد وصفني النبي r : (( بأني حلوة خضرة ، ولكني بالنسبة للمؤمن سجن له )) لقوله عليه السلام (( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر )) .
عبد الله : ولكني أعرف بعض المؤمنين يعيشون في نعيم ورفاهية !!
الدنيا : ليس المراد بالسجن هو السجن الحديدي – الذي تفهمه – وإنما هو التقييد بما أمر الله ، وما السجن إلاَّ قيد .
عبد الله : الله إنه لمعنى أدبي جميل . لقد فهمت الآن .
ولكن ما سبب تسميتك بالدنيا ؟
الدنيا : لو علم الناس معنى اسمي لما فتنتهم زينتي . إن اسمي له معنيان .
(1) من الدنو : أي قريبة الزوال والانتهاء .
(2) ومن الدناءة : أي القبح إذا ما قارنتني بالآخرة .
عبد الله : وكيف أتعامل معك حتى لا أفتن ؟!
الدنيا : عن هذا سؤال خطير ، تجعلني أبوح بسر من أسراري . لأني أصطاد الناس أحياناً بالأموال وأحياناً بالنساء وأحياناً بالمناصب وكل ذلك من زينتي ، والزينة من صفاتها أنها مؤقتة ، وهل رأيت يوماً زينة عرس دائمة ؟ أو زينة عروس دائمة ؟!
عبد الله : إذن سوف أعتزلك تماماً حتى أنجو .
الدنيا : ليس هذا الذي أردت . ولكن ينبغي أن تتعامل معي بحذر حتى لا تنسى نصيبك منها ، وتعيش متزناً كما أمرك الله تعالى .
عبد الله : وبما توصيني ؟
الدنيا : أوصيك بتذكر الله تعالى دائماً :
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً} [ الكهف:45] .
وإن كنت تحذرني مرة فاحذرني بعد اليوم ألف مرة .
عبد الله : لا أظن أنك ستفتنيني بعد ما تصارحنا !
الدنيا : ( قالوا للغراب مالك تسرق الصابون ؟
قال : الأذى طبعي ) .
وأنا أقول لك عن الفتنة طبعي ، فاحذر أن تكون من عشاق الدنيا .
واحذر أن تكون جيفة ليل وطرب نهار .
ثم اختفت الدنيا فجأة .
فأخذ عبد الله ينادي .... يا دنيا ... يا دنيا .. فلم يجبه أحد .. ثم طأطأ رأسه وقال : الحمد لله الذي وفقني لفهم حقيقة الدنيا ثم أنشد :
إذا كنت أعلم علماً يقيناً بأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون ضنيناً بهـا واجعلها في صلاح وطاعة